ويبلغ الأمر بالمتصوف في رياضته، وصفاء نفسه، أن يصل إلى نتيجة تختلف كل الاختلاف عن التفكير العقلي، ذلك أننا في التفكير العقلي نشعر بأن الذي يدرك غير المدرك، والذي يعلم غير المعلوم. فإذا فكرت في حل مسألة هندسية، فالمسألة الهندسية غيري وغير عقلي المفكر، ولكن الأمر في نهاية التصوف ليس كذلك؛ إذ تتكسر الحدود بين العالم والمعلوم، والعارف والمعروف؛ فإذا وصلت النفس إلى العلم بالله أمحت شخصية العارف، وصارت هي والمعروف شيئا واحدا، ويتحقق هذا عندهم في هذه الحياة، كما يتحقق بعد مفارقة الروح للجسم. وأقرب شبه بهذا ما يحدث من هيام المحب بالمحبوب، حتى يكونا روحا واحدا، ويصبح التعبير ب «أنا» و«هو» تعبيرا لفظيا لا تعبيرا نفسيا. أما النفس ومحبوبها فشيء واحد، وتفنى النفس الزائفة في النفس الحقة. ومن أجل هذا قالوا: «من عرف نفسه فقد عرف ربه». وحول هذا تكون الأدب الصوفي كله.
3
قرأت مرة أنه منذ خمسين عاما درس عالم طبيعي دراسة دقيقة جدا ما يحتاج إليه الفأر الصغير لنموه من عناصر اللبن المختلفة، ثم جهز لبنا صناعيا يحتوي كل ما أثبته العلم مما يحتاج إليه الفأر من بروتين ودهن وسكر وملح وماء بمقادير كالتي في اللبن الطبيعي تماما، وقد أعده في أحسن «معمل» وأتقنه. وإذا امتحن اللبن الصناعي امتحانا دقيقا ظهر أنه لا يختلف أي اختلاف عن اللبن الطبيعي؛ وإذا اختبر في الذوق لم يختلف عنه كذلك، ثم أطعم الفأر الصغير هذا اللبن الصناعي، فلم ينم وقل وزنه، وأشرف على الموت. ثم تقدم العلم، فتبين أن هذا اللبن الصناعي ينقصه مادة ضرورية هي صانعة الحياة، هي الفيتامين، وربما شيء آخر وراء هذا الفيتامين.
أذكرني ذلك بالفرق بين العلم والدين، والمادة والروح، والعقل، والنفس. قد يكمل الشيء في مظهره، ويدل امتحانه على أنه لا ينقصه شيء، ولكنه فقد روحه كما يفقد هذا اللبن الصناعي هذا الفيتامين.
قد تقدم العلم في القرن الأخير تقدما باهرا في كل فرع في الطبيعة، في الكيمياء، في النفس، في الاجتماع، في الصناعات؛ ولكنه لم يتقدم أي تقدم في فهم «نظرية الحياة»، وظلت - من غير جواب - تلك الصورة البديعة التي صورها فنان لطفل جميل مستغرب، في أرض جرداء، في مكان موحش، وقد كتب تحتها الأسئلة الآتية: ماذا؟ من أين؟ إلى أين؟ تقدم الطب والتشريح والجراحة، وأتت الاختراعات بالعجائب من: تليفون وفونوغراف وراديو وعجائب الكهرباء، وظلت العجيبة الكبرى على حالها وهي عجيبة الحياة كيف تدب، والموت كيف يكون! وعجز العلم بكل أسلحته وأدواته أن يتقدم خطوة في هذا السبيل، فمهما كانت الآلات المخترعة ضخمة دقيقة معقدة فهي آلة لا غير، ليس فيها روح، ومهما كان التمثال جميلا رائعا فهو تمثال ينقصه ما طلب «بيجماليون» من ربه لتمثاله، أن ينفث فيه الحياة؛ وظلت أكبر آلة وأعظم اختراع لا تدهش الإنسان كما تدهشه ذبابة كيف حييت! وأعظم آلة تحتاج إلى عقل حي ليديرها ويشرف عليها. ما هذه الحياة؟ من أين أتت؟ إلى أين تصير؟ لا يعرف العلم شيئا، ونشأتها محوطة بظلمة البطن، ونهايتها محوطة بظلمة القبر، وهي نور بين ظلمتين، ونهار بين ليلين، ومهما اجتمع الفيزيقيون والكيمياويون فلن يستطيعوا أن يبعثوا الحياة في خلية و...
إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له .
حلل الخلية كما تشاء إلى كربون وهيدروجين وأوكسجين ونتروجين كما كان يقول بعضهم، أو إلى إلكترونات كما يقول بعض آخر، فإنها كلها ينقصها شيء لتكوين الحياة، وهي ليست الحياة، كما أن اللحم والدم والنفس ليس الحياة. واشرح نظرية النشوء والارتقاء كما تشاء، فهي تفسر تدرج الحياة من نوع إلى نوع، ولكنها لا تفسر الحياة الأولى للخلية الأولى. إن العالم يستطيع أن يشرح لنا بناء الجسم الحي من نبات وحيوان ومم يتكون، ويضع لنا المصطلحات لكل جزء، ولكن إلى هنا ويقف. أما كيف دبت الحياة إلى الخلية، وكيف تنتج خلايا شجرة الورد خلايا مثلها حتى تنبت الورد، وكيف تخالفها شجرة الياسمين فتنتج ياسمين، وكيف يختلف الحيوان في ذلك عن النبات، فتكون الخلايا بقرا وغنما وقردا وإنسانا، فذلك ما لا يستطيعه العلم.