قرأت مرة أن صديقين مثقفين خرجا يتروضان، وكانا يتحدثان في الدين، فمرا على حديقة بديعة مملوءة بالأزهار الجميلة؛ ورد أحمر يانع، وورد أصفر فاقع، وورد أبيض صاف، وبراعم لم تتفتح وهي آخذة طريقها إلى نضجها وتفتحها، والجو مملوء بعبيق الأزهار، والريح تلعب بالأغصان، وجمال كل شيء حولهما يأخذ باللب، فصرخ أحدهما: هذا أقوى دليل على الله؛ وهنا موضع سجود له لجلاله وجمال عظمته! فقال صاحبه في برود العلماء: وأي برهان علمي على ذلك؟! ما البرهان المنطقي على أن الجمال دليل على الله؟ إن كان هنا جمال فثم قبح، وإن كانت الأزهار هنا تتفتح فهي هناك تذبل!
ثم عادا، هذا بإيمانه وهذا بإلحاده.
وكان نابليون - في حملته على مصر - في سفينة حوله علماء ملحدون، وفى ليلة بديعة لمعت النجوم في السماء، وتلألأت في رونقها وبهائها وجمالها؛ فقال نابليون: انظروا أيها الرفاق: ما أبدع النجوم وما أجملها! فمن أبدعها؟ قال ملحد: نحن لا نسأل هذا السؤال، وما يدور في ذهنك من هذه الأسئلة لا يدور في أذهاننا، إنما نحن نسأل: كيف تطور هذا العالم، وكيف ارتقى، وما الظروف التي مر بها، حتى وصل إلى ما نرى. «إن برهانك - أيها القائد - دليل جميل لك».
إن دعوة الإيمان دعوة لما في النفس؛ فإذا استعدت فكل شيء برهان، وإذا لم تستعد فلا برهان. في النفس لا في العقل غريزة الإيمان، والدعوة الحقة بإيقاظها، لا بمقدمة صغرى ولا مقدمة كبرى ونتيجة مؤلفة من موضوع ومحمول؟ ليس العقل هو دليلنا الوحيد في الحياة، بل هناك أدلاء أخر، منها النفس، ومنها العواطف، ومنها الإلهام.
أما الطريق الآخر الذي سلكه صادقو الصوفية، فهو أن يربوا شعورهم، ويقووا نفوسهم لا عقلهم، ويصفوا روحهم من التعلق بالمادة وشؤونها، حتى يتصلوا في نهاية مراحلهم بالروح الأعلى، بربهم، وهم يقررون أنهم بهذه الرياضة يصلون إلى نوع من انكشاف الحقائق أوضح وأجلى وأنور من الانكشاف الحسي؛ وأنهم يطلعون على عالم روحي لا يخضع لما تخضع له المادة من حدود أو زمان أو مكان، ولكنهم - مع الأسف - عجزوا عن وصف هذا العالم الروحي وصفا بينا لنا، أو عجزنا نحن عن فهم وصفهم، ولهذا ساد كتبهم وأقوالهم الغموض التام في كل دين.
والسبب في هذا أن طريقة التفكير العقلي عامة عند الناس، ووسائل إيصال المعلومات العقلية من ذهن إلى ذهن متوفرة، وليس كذلك الشأن في المشاعر؛ فمن السهل أن تقيم البرهان لآخر على قوانين الضوء وقوانين الجاذبية، وقوانين الرياضة والطبيعة والكيمياء، وتقيم البرهان على النظريات الهندسية، وليس كذلك الشأن فى المشاعر. إذا كان عندك برهان على أن هذا المثلث يساوي هذا المثلث أمكنك أن تنقله إلى من لم يعرفه، ولكن إذا أكلت الكمثرى وشعرت بنوع حلاوتها ورائحتها وطعمها، لا يمكنك بحال أن تصفها لمن لم يذقها إلا على سبيل التقريب والتشبيه، فإذا كان قد أكل نوعا قريبا من الكمثرى أمكن التشبيه وقرب فهمه وإن لم يكن دقيقا، وإلا فما أبعد الفهم!
وكذلك الشأن فيما عندي من حب وبغض وإعجاب ونحو ذلك، كلها مشاعر من الصعب نقلها. فالمشاعر والعواطف «تذكرة شخصية»، على حين أن العقل «تذكرة عامة» يصح أن يحملها كل شخص.
بذلك يمكن التفرقة بين معرفة تنقل ومعرفة لا تنقل. واللغة قد تكون أداة طيعة للمحسوسات والمعقولات، وهي أداة غير صالحة للمشاعر والعواطف - والمعرفة عن طريق الإلهام - أو بعبارة أخرى عن طريق الرياضة النفسية - آخذة بشبه من الطرفين؛ طرف العقل وطرف المشاعر، وهي إلى المشاعر أقرب، ولشبهها بالعقل تنكشف انكشاف المعقول، ولشبهها بالمشاعر يصعب نقلها.
وإذا كان شعور الصوفي شعورا شخصيا صعب التعبير عنه وأحيط بالغموض ولم تسعفه اللغة، وكان من يفهمه ويشاركه هو الذي جرب تجاربه، وسلك طريقه، وقرب منه أو فاقه في إلهامه. ويشبه ذلك ما قاله أرسطو من أن الناشئ يمكن أن يكون عالما بالرياضة، ولكن لا يمكن أن يكون سياسيا؛ لأنه يمكن أن يتعلم الرياضة ويحفظ قوانينها، ويفهم براهينها، ولكنه لا يمكنه أن يكون سياسيا؛ لأن السياسة قوامها التجارب في الحياة، وهو لم يجربها حتى ينغمس في أحداثها، ويشعر بتياراتها، ويرى نتائجها.