وصعوبة أخرى، أن الأنبياء بحكم رسالتهم، لا بد أن يسيروا على الصراط بين الروح والمادة؛ لا بد أن يتصلوا بالروح الأعلى ليتلقوا، ولا بد أن يتصلوا بالناس ليذيعوا، لا بد أن يكون رأسهم في السماء وأرجلهم في الأرض.
وصعوبة ثالثة، أنهم يواجهون مطالب القلوب المختلفة صغرا وكبرا، وضيقا وسعة، وظلاما ونورا. ولا بد أن يمدوا كلا بما يحتاجه وبما يستطيعه، ويوفقوا بين المطالب المختلفة والاستعدادات المتعارضة؛ ولذلك كانوا دائما في جهاد مع أنفسهم، وجهاد مع عدوهم، وجهاد مع صديقهم، وجهاد مع العالم. وصدقوا إذ قالوا: «إن الحياة جهاد». ووضع الناس كلهم أنفسهم موضع القضاة لهم أو عليهم، وما أقساها حكومة!
للنبي رسالة ظاهرة، وهي إقامة الشعائر والتشريع لإصلاح المجتمع؛ ورسالة باطنة، وهي: نصب سلم تتدرج فيه النفوس لتعرف الحق، وتعرف الحقيقة، وتعرف الله من طريق القلب. قد تختلف الأديان في الشعائر والشرائع تبعا لاختلاف البيئات الطبيعية والاجتماعية ورقي الإنسانية، أما في الرسالة الباطنة فلا تختلف إلا بمقدار الرقي في السلم؛ فالحق غرض كل الأديان، ليس يختلف الأنبياء في رسالتهم كما يختلف الفلاسفة في تعاليمهم، فقد يقر فيلسوف أمرا وينكره آخر، وقد ينقض اللاحق ما بنى السابق، أما الأنبياء فيقرون دائما، ويبنون دائما، ذلك لأن العقل فيما وراء المادة قائد فقير، قائد في الظلام، والقلب في ذلك قائد بصير، قائد في وضح النهار. إذا تكلم مائة إنسان بقلوبهم اتحدوا، وإذا تكلم ثلاثة بعقولهم اختلفوا. وما يصد الناس عن رؤية الحق إلا إقفال قلوبهم عن رؤية النور، وتعلقهم بصغائر الأمور، وبالجزئيات دون الكليات. إن الإنسان الفرد قد يحب، وقد يكره، وقد يعجب به، وقد يشمأز منه، ولكن الإنسانية - ككل - تحب فقط وهي موضع الإعجاب.
نتتبع سلسلة الأنبياء فنرى بينهم قدرا مشتركا من التعاليم والمبادئ؛ فهم يؤمنون أقوى إيمان بالله وكماله وقدرته، وبالإنسان وشرفه ومسئوليته، وضلاله ووجوب هدايته، وهم يعلنون فى جزم أنهم لم يتلقوا تعاليمهم من تقاليد قومهم، ولا من علمهم ومنطقهم ولا من أي شيء خارج عنهم، ولكن من الله نفسه، يحدث نفوسهم، ومن نوره يسطع على قلوبهم، وأنهم لا يشكون في شيء منه، كما يشك الفيلسوف والعالم، ولذلك يتحملون أكبر الآلام من قومهم وملوكهم، ولا ينحرفون قيد شعرة عن عقيدتهم؛ لأنهم يرون الحق بقلوبهم أصدق مما يرون الأشياء بأعينهم، وأنهم يبلغون رسالة ربهم كما وعوها - هم بذلك يقررون أن علمهم بحقيقة العالم وبالخير والشر آت من أعلى إلى قلوبهم، على حين أن علم العلماء والفلاسفة آت من أسفل إلى عقولهم.
أنكر قوم دعوة النبوة على هذا النحو، وأرادوا ألا يسلموا بشيء إلا إذا كان عن طريق الجبر والهندسة والرياضة! ولكن أمن الحق أن كل علمنا ومعرفتنا عن هذا الطريق؟ إن الإنسان قد يعلم الحقيقة، وقد يشعر بالحقيقة. إذا علم العقل الجبر والهندسة، فالقلب يشعر بالحب، والحب حقيقة كحقيقة الجبر، والرجاء والأمل والخوف والأمن حقائق كحقائق الهندسة، والإنسان عقل وقلب، ولكل غذاؤه، ومكلف الإنسان أن يقتصر على نمط الفلسفة والمنطق والعلم مهدر لنصف شخصيته؛ والمؤمن بمواهب الإنسان المتعددة مؤمن بالدين.
ولكل موهبة طريق تربيتها؛ فالعقل يربى بالتجربة وبالمنطق وبالمران على ربط الأسباب بالمسببات، وعلى ربط النتائج بالمقدمات؛ والشعور يربى بالرياضة الروحية وتطهير النفس، ومن هذا القبيل شعائر الدين. •••
لقد سلك رجال الدين في تأييده وتقويته مسلكين: قوم حددوا عقولهم، وقوم أرهفوا مشاعرهم، فأما الأولون فعلماء التوحيد أو علماء الكلام، وأما الآخرون فصادقو الصوفية - من جميع الأديان - فالأولون جعلوا الدين منطقا وفلسفة، وخلفوا لنا تراثا ضخما من المؤلفات تبرهن برهانا عقليا منطقيا على وجود الله وصفاته وما إلى ذلك. ولكني أعتقد أنهم لم ينجحوا في ذلك نجاح العلماء في البراهين العقلية على قضايا العلم. إن قانون الكيمياء أو الطبيعة أو الرياضة إذا قال به أحد العلماء وبرهن عليه آمن به كل الناس بلا فارق بين أمة وأمة، وأهل دين وأهل دين، وشرقي وغربي. أما علم التوحيد أو علم الكلام، فبرهان لمن يعتقد لا لمن لا يعتقد، برهان لصاحب الدين لا لمخالفه؛ ولهذا لم نر في التاريخ أن علم الكلام كان سببا في إيمان من لم يؤمن أو إسلام من لم يسلم إلا نادرا، إنما كان سببا في إيمان الكثير وإسلام الجم الغفير الدعوة من طريق القلب لا من طريق علم المنطق.