تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أفراد هذه المملكة الروحانية يختلفون شعورا وحبا وهياما واستطاعة لتلقي أشعة الروح الأعلى، فاختلفت بذلك منزلتهم في تلقي الوحي والإلهام - وقد أعجبت الديانات بمثال النور؛ ففي المجموعة الشمسية شمس تلقي الأشعة وقمر يتلقى منها ضوءها وينشره على الأرض، وحولها كواكب ونجوم تتلقى عنها بمقادير تختلف حسب وضعها واستعدادها، فكان هذا مثالا لطيفا للتعبير عن المعنى الروحي في المملكة الروحانية. وكانت آية النور من أبدع ما ورد في القرآن:

الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم .

هذا الروح الأعلى رأس مملكة تجمع فيه العلم كل العلم، والقدرة كل القدرة، والحكمة كل الحكمة، يفيض منها على من يشاء بما يشاء، ومنزلة الأنبياء منه منزلة القمر من الشمس يتلقى ويشع، يستقبل ويذيع؛ وهناك أناس أقل من الأنبياء منزلة يتلقون دون تلقيهم، ويذيعون دون إذاعتهم - كل هؤلاء شراح القوانين الروحية بلسان الإنسانية، هم الإجابة لصرخة الإنسانية المعذبة والإنسانية الضالة، وهم البلسم للإنسانية المجروحة، وهم ناشرو النور يقبس منهم كل حسب استعداده، يخاطبون كلا بلغته وبمقدار تقبله، ويؤثرون بقولهم كما يؤثرون بضوئهم الذي ينشرونه على الحياة؛ ولذلك آمن كثير من أتباعهم بالنظرة لا بالحجة، وقال قائلهم: «ما هذا وجه كذاب». هم يضيئون القلب أكثر مما يقنعون العقل، ويرفعون النفس إلى السماء إن التصق الجسم والشهوات والنزعات بالأرض؛ هم يصلحون مجتمعهم حسبما تتجلى في أهل زمانهم عيوبهم، ثم يضعون البذور في تعاليمهم يسترشد بها المصلحون فيما بعد لإدراك عيوب زمانهم.

والروح الأعلى عند اختيار من هم أهل لوحيه وإلهامه، لا يعبأ بما يعبأ به أهل المملكة المادية من جاه أو مال أو نسب أو علم أو ثقافة؛ إذ لا يهمه في الاختيار إلا القلب، وهو أعلم حيث يجعل رسالته.

2

كل من وهب نفحة من الروحانية المستعدة لتلقي الإلهام أظهرها حسب استعداده وميوله، كالكهرباء تكون مرة حرارة، ومرة تبريدا، ومرة ضوءا؛ فالموسيقي ينعكس إلهامه موسيقى، والشاعر شعرا، والفنان فنا، والنبي نبوة، والنبي أرقى إلهاما؛ لأن ما يتلقى من الضوء أقوى، ونوعه أكمل، ونوره الذي يعكس أعم نفعا وأهدى للحقيقة في صميمها. في النبي شاعرية وليس بشاعر، وموسيقية وليس بموسيقي، وفلسفة وليس بفيلسوف، وإنما هو فوق ذلك كله؛ لقرب اتصاله بالروح الأعلى وقوة ضوئه الذي يعكسه فينير مناحي الحياة المختلفة - نور كشاف يضيء قلوب من وقعت عليه أشعته - أيا ما كان شكل الوحي الذي حكي في الكتب المقدسة، من صوت يسمع، أو ملك يرى، أو نحو ذلك، فإنما هو القلب، يرهف حتى تكون له عين تبصر وأذن تسمع، وحتى يتجلى بهما الحق أقوى مما يتجلى بالأذن الحسية والعين في وجوهنا.

وما أصعب رسالة النبي! إن الموسيقي والشاعر والأديب والفنان يدرك بالإلهام ما تعجز عن أدائه أدوات الموسيقى والقلم واللسان والألوان؛ ذلك لأن التعبير عن المعقولات أهون من التعبير عن الإلهام؛ ولذلك احتاج الملهم أن يخترع ما يحاول به أن يكمل نقصه كالاستعارات والمجازات والتشبيهات والكنايات عند الشاعر والأديب، والإشارات عند الخطيب، ونحو ذلك عند سائر الفنانين. وهم - مع كل هذا - يقرون بالعجز عن أداء ما يشعرون، ويقرون بالفرق الكبير بين ما يشعرون وما يعرضون - وذلك في النبوة أعقد وأعسر. إنهم يريدون أن يعرضوا العالم في خريطة مصغرة، أو يقدموا المحيط في زجاجة، أو يخرجوا السموات والأرض من جيوبهم؛ ولذلك ما كان أعمق معانيهم وأبعد إشارتهم! وما أتفه من وقف عند حدود ألفاظهم، ولم يتخط ذلك إلى فهم رموزهم!

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٤٨