تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مظهر كمال العقل الفيلسوف، أمثال أرسطو ومن سار سيره، ومظهر كمال الإلهام «النبي»؛ تريد الفلسفة أن تعرف علة العالم كله، والمبدأ الأساسي الذي أسس عليه، والأصل الذي يجمعه من الذرة الأولى إلى أرقى كائن، ومن الخلية الأولى إلى الملك بل إلى الله، عن طريق التفكير المنطقي، من مقدمات بديهية إلى نتائج، ثم جعل النتائج مقدمات للاستنتاج منها مقدمات أعلى، وهكذ، فغاية الفلسفة بجميع مجهودها الوصول إلى العلة الأولى، فإن كان كل علم فرعا من شجرة فالفلسفة تريد الجذر الذي أسس هذه الفروع، تريد البذرة الأولى التي تكونت منها شجرة العالم. وهذا الغرض الذي ترمي إليه الفلسفة هو بعينه الذي يرمي إليه الدين، فهو يريد أن يعرف الحقيقة الأولى والأخيرة لهذا العالم، يريد أن يعرف الله الذي هو الأول والآخر، ويوثق الصلة بينه وبينه ولكن لا عن طريق مقدمات ونتائج، بل عن طريق حب وشوق من الروح الصغرى إلى الروح الكبرى. وفي الإنسان الطبيعتان: الطبيعة العاقلة المفكرة التي ترضيها الفلسفة، وطبيعة الشعور بالمحبة الشائقة التي يرضيها الدين. في الإنسان العقل الباحث، وفيه القلب العاشق لقوة يعتمد عليها في بلوغه كماله، في معونته على تخطي العقبات المحيطة به. غاية الفلسفة والدين واحدة، ولكن الطريقين مختلفان، ولن يسافر الفيلسوف والمتدين في طريق واحد، ولن يستعملا وسائل واحدة، ذلك يركب عقله، وهذا يركب قلبه، والأول ينمي ذهنه، والثاني ينمي شعوره وإن لم يمهل عقله؛ وإذ كان العقل الكبير شكاكا فهو قلما يؤمن ويجزم، وإذ كان القلب الكبير عاشقا هائما، فهو مؤمن بمن يحب، لا يقبل فيه جدلا ولا شكا؛ ولذلك كان رضا المتدين وطمأنينته أكثر وأقوى من رضا الفيلسوف! ولما كانت وسائل الفلسفة عسيرة تتطلب علما، وتتطلب مصطلحات، وتتطلب تعليما، لم تناسب إلا الخاصة، ولما كان الشعور لا يتطلب كل هذا، وقد لا يتوقف على ثقافة خاصة، كان الدين مناسبا للخاصة والعامة على السواء، فلست ترى الفيلسوف الراقي إلا في الخاصة، ولكنك ترى المتدين الراقي في الخاصة والعامة. والقلب يعتقد ويجزم، والعقل قل أن يعتقد ويجزم، القلب يطمئن، والعقل يحار، فإذا جزم فإنما يكون جزمه بمدد من القلب. لقد صرخ الفخر الرازي وغيره نادمين على حياة الفلسفة إذ أسلمت إلى الحيرة، وصرح «هيوم» بأنه لا يستطيع بحال من الأحوال أن يجزم بشيء في حقيقة الله وطبيعته. ولكنك لا تجد عميقا في الدين يشكو الحيرة أو يندم على الحب. رقي العقل في تجرده، ورقي القلب في مده خيوطا تربط بينه وبين من يحب؛ ولذلك كان ذو القلب أكثر شعورا بشخصيته؛ ومن ثم كان أكثر شعورا بطمأنينته، فهو إذا تدين شعر بأن روحا عليا تتجاوب مع روح صغرى.

أساس الدين أن هناك مملكة روحية وراء هذه المملكة المادية، وهي ليست مملكة خيالية ولا شعرية، ولكنها مملكة حقيقية - في كل شيء في الوجود - من جمال ونبات وحيوان وإنسان - نفحة من الروحانية تستمدها من الروح الأعلى، من الله!:

وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم . ولكل شيء رسالته الروحية شعر بها أو لم يشعر. وتختلف هذه الأشياء في روحانيتها، كما تختلف القيمة لأفراد كل مملكة وأشياء كل مجموعة. إنها كنغمات البيانو تختلف ضعفا وقوة وغلظا ورقة وعلوا وانخفاضا؛ وطبيعة كل شيء في الوجود اشتمالها على درجات، فجسم الإنسان والأسرة والجيش، ومجموعة الأنهار والجبال والتلال والأشجار والأزهار؛ والمجموعة الشمسية وغيرها، كل منها درجات يعلو بعضها بعضا؛ وهي حقيقة التفت إليها «دارون» فأوحت إليه بنظرية النشوء والارتقاء. وكل مجموعة من هذه لا بد أن يكون لها رئيس أعلى يعلو الأجزاء المختلفة في القيمة وفي الوظيفة، وهو الذي يمثل نوعه. كذلك في المملكة الروحانية هذا التفاوت في القيمة، وهذه الدرجات المختلفة، وهذا التدرج صعدا إلى الله.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٤٧