ثم إن الفن نفسه كيف يكون؟ إذا سألت الشاعر كيف يقول شعره وكيف تأتيه المعاني والأخيلة، وسألت الروائي كيف تأتيه فكرة الرواية وأحداثها وتأليفها، والرسام كيف يتصور ويتخيل، وكيف يؤلف بين الألوان، أجاب كل هؤلاء أنهم لا يدرون كيف يجيبون، وأنهم لا يعملون في ذلك عقلا، وإنما ينتظرون إلهاما! وقد يلهم الشاعر مطلع القصيدة من حيث لا يحتسب، ثم يعمل فكره وخياله أياما وليالي ليضم إلى المطلع قرينه فلا يفلح؛ لأن الوحي انقطع عنه، ولا يزال كذلك حتى يأتيه الوحي مرة أخرى فيتدفق، ولا يدري كيف وفق وكيف عجز! ومهما عللت ذلك بالصحة أو المرض، أو السرور أو الحزن، أو اعتدال المزاج وفساده، أو نحو ذلك، لم تجد هذا التعليل صحيحا مطردا.
كذلك كثيرا ما نرى هذه القوة - قوة الإلهام - في النوابغ، والنابغة الذي أعنيه هو القادر على التعبير عن زمنه وقومه أحسن تعبير، الدافع لأمته أو لعالمه إلى الأمام ليجعله أقرب إلى المثل الأعلى في تفكيره وعاداته. ولو نظرنا إلى حياة كثير من النابغين من هذا القبيل لوجدناهم قد امتلكوا هذه القوة الإلهامية وكانت هي علة نجاحهم، أمعنوا في الإيمان بعقيدتهم إمعانا قد لا يرتضيه العقل الفلسفي، وتصرفوا في حمل قومهم على عقيدتهم تصرفا قد لا يقره الأسلوب المنطقي، وتأججت عواطفهم وساروا في حياتهم كما توحيه إليهم نفوسهم أكثر مما توحيه عقولهم؛ بل كثير من هؤلاء النابغين كانوا شذاذا في ناحيتهم العقلية، مما جعل بعض الباحثين في النبوغ يقرن بين النبوغ والشذوذ بل والجنون.
بل كثير من المخترعين كان اختراعهم واكتشافهم إلهاما أكثر منه بحثا علميا، إنما كان البحث العلمي خدمة وتحقيقا وتأييدا للومضة الأولى الإلهامية. كم من الناس رأوا التفاح والثمار بأجمعها تسقط من أشجارها، ولكن إلهاما ألهمه «نيوتن» قرن هذا السقوط بفكرة الجاذبية، ثم استخدم العلم والعقل لاكتشاف قوانينها. كم من الناس رأوا مصابيح المعابد معلقة في حبالها، يلعب بها الهواء فيحركها حركة البندول، ولكن جاليليو هو الذي ألهم هذا الإلهام، فاكتشف به قانون الذبذبة، وأتى العقل والعلم بعد ذلك يكمل هذه القوانين ويستخدمها في الحركات الميكانيكية. وهكذا كان الإلهام أولا، والعقل ثانيا.
ثم الإلهام في المجال الديني، فهناك رجال من جميع الأديان في مختلف الأزمنة ذكروا أنهم استطاعوا بالإلهام أن يتعرفوا الحقيقة عن طريق الكشف لا عن طريق العلم، وعن طريق الذوق لا عن طريق العقل، وأن ما عرفوه من هذا الطريق كان أقوى وأبين، حتى كأنهم ينظرون بأعينهم، ويسمعون بأذنهم، ومن هؤلاء من لا يرتقي الشك إلى أقوالهم ككبار الصوفية، ومنهم الغزالي، وكأفلوطين الفيلسوف في القرن الثالث الميلادي الذي قال: إنه رأى الحق، ووصل إلى الله وتكشفت له الحقيقة في حياته على هذا الوجه أربع مرات تكشفا يفوق الوصف، حكى ذلك عنه تلميذه فرفوريوس، وكان يعلم حقيقة ما يقول؛ فقد ذكر أنه هو نفسه في حياته البالغة ثمانية وستين عاما، قد تجلى الله له على هذا الوجه مرة واحدة. ويقول هؤلاء وأمثالهم: إن العالم يدرك بالحواس وبالعقل وبالروح، والإدراك بالروح أتم وأوفى وأصدق، فحقيقتنا روحنا، وحقيقة العالم روحه، ولا شيء أصدق من إدراك الروح بالروح. هؤلاء يرون أن الإلهام والكشف يظهر من الحقيقة ما لا يظهره العقل، وأنهم لذلك يسمون إدراك الإلهام معرفة، وإدراك العقل علما، وغاية الأول الحكمة، وغاية الثاني الفلسفة، ووسيلة الأول الحب والرياضة، ووسيلة الثاني التجارب والمنطق؛ وإدراك الأول ومضة، وإدراك الثاني بالتدريج؛ ومركز الأول القلب، ومركز الثاني الرأس.
وقد بدأ علم النفس يدرس هذه الظواهر النفسية لأمثال هؤلاء بعد أن كان ينكرها جملة، وحيره ما رأى من صدق بعض هذه الظواهر، ووصول بعض المتدينين إلى حقائق عجيبة لم يصلوا إليها من طريق العلم لأميتهم، أو عدم تعلمهم، أو نحو ذلك. •••