تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نجدها حتى في الحيوان كما قال الله تعالى:

وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون . ونجدها في الأطفال، يدركون بها ما لا يدركه الكبار بعقلهم وتجاربهم؛ ونجدها في المرأة أكثر منها في الرجل، فلها حاسة غريبة هي نوع من الإلهام تصل بها إلى الأشياء التي تهمها، من غير أن يكون لها مقدمات معقولة.

وقوة الإلهام تختلف في الناس قوة وضعفا كاختلاف القوة العاقلة، فكما فيهم الذكي والغبي، والبليد والأبله، والرياضي ومن لا يفقه شيئا في الرياضة، كذلك فيهم الملهم وغير الملهم، والمستنير والمظلم، كما في الحديث: «إن في أمتي ملهمين، وإن منهم لعمر». وهذه القوة الإلهامية لا تتصل بمقدار القوة العاقلة، ولا بمقدار الذكاء، ولا بمقدار ثقافة الشخص وكثرة علمه؛ فلعل كثيرا منا شاهد هذا الفلاح غير المتعلم الذي وفد على القاهرة منذ سنين، وهو لم يتعلم قراءة ولا كتابة ولا حسابا، وكان يعطى المسألة مكونة من ستة أرقام أو سبعة ليضربها في أرقام ستة وسبعة، فيجيب على البديهة بحاصل الضرب من غير استخدام أي وسيلة من وسائل الضرب المعروفة، حتى لقد اقترح أن يعين في مصلحة الإحصاء لضبط العمليات الرياضية، كأنه آلة من الآلات المخترعة لعمليات الجمع والطرح والضرب والقسمة.

وفى حياتنا العملية نرى أمثلة كثيرة من هذا القبيل، أناسا يمتازون بإلهامهم كما يمتاز آخرون بعقولهم وتجاربهم؛ هناك التاجر الذي يعرف السوق بإلهامه فيحدس في مستقبل السوق حدسا صادقا يستدعي العجب، وقد لا يستطيع أن يجاريه في ذلك الذكي الدارس للاقتصاد وحركة الأسواق وجغرافية العالم، والمطلع على أحدث النظريات في الشؤون التجارية؛ ومثل هذا في محيط الزراع والصناع ورجال الحرب وغيرهم.

ويتجلى هذا الإلهام بوضوح في الفن؛ فالجمال كله مغلف بالغموض، ومهما قيل في نظريات الجمال ووضع قواعد له تخضع للعقل والتجارب، فإن كل ما قيل فيه لم يكشف غموضه، وظل يعتمد في أكثر شؤونه على الإلهام والذوق لا على العقل والتجارب. إنا لنرى كل شيء ينتج مثله، فالمادة تنتج مادة، والرأي ينتج رأيا، والحياة تنتج حياة، ولكن من أين ينتج الجمال؟ إنه ينتج من أشياء غريبة عنه كالصوت واللون، بل قد ينتج من القبح نفسه! وقد يكون كل جزء في الإنسان وحده جميلا، فإذا ركب لم يكن جميلا ككل، والعكس، فكيف كان هذا؟ لا ندري! وقوة الجمال نفسها كيف تفعل فينا هذه الأفاعيل، وكيف تلعب بالعالم هذا اللعب؟ لا ندري! وناحية أخرى وهي الفنان نفسه، كيف كان هذا الفنان فنانا؟ إن الدلائل كلها تدل على أن هذا الإنسان لا يصلح لشيء، فإذا هو فنان مبدع! لعل كثيرين شاهدوا شوقي بك وجالسوه، ورأوا أنه لا يحسن حديثا ولا يحسن تفكيرا، وعيناه كأنهما ركبتا على زئبق، ومهما أطلت الجلوس معه فلا ترى فيه أثرا من آثار العبقرية؛ وبعد ذلك، فهو شاعر عظيم، بل أعظم شاعر في الشرق في العصور الحديثة. وقد وصف بعضهم شكسبير فقال: «ما أعظم شاعريته، وما ألطف طفولته وسذاجته!» وكان جان جاك روسو من أخيب خلق الله نشأة، لم يصلح لدراسة علمية ولا فنية، ولم يصلح لخلق؛ حياته - كما تدل عليه اعترافاته - سلسلة أخطاء وسلسلة سقطات، وسلسلة غباوات، ناقص العقل، ضعيف الإرادة، يستجيب للدوافع الوقتية. لم ينجح في الدراسة المدرسية، ولا في الدراسة الموسيقية، ومع هذا كله فقد كان من أنبغ ما أنتجه العالم. استطاع بنتاجه الفني أن يغير التفكير في فرنسا، وقد يكون غير التفكير في العالم أيضا، ولون المدنية الحديثة لونا جديدا. ما ميزة كل هؤلاء الفنانين جميعا إذا كانت حالتهم كما نرى؟ لا شيء غير الإلهام، بدليل أنهم لم ينبغوا من ناحية قوة عقلهم وتجاربهم، إنما كان نبوغهم من حيث مقدرتهم الإلهامية.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٤٥