تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال صاحب «فوات الوفيات» في ترجمة أبي الجعد المعروف بشعر الزنج، إنه كان ناطورا يحفظ البساتين، وقد كتب لمحبوبه هذه الأبيات بالبياض على تفاحة حمراء:

جودوا لمن تيمه

حبكم فهاما

وصار ضوء يومه

من حزنه ظلاما

ثم قال: «إن شعر الزنج هذا أهدى إلى محبوبه يوما تفاحا كثيرا أحمر كالشقائق، وأبيض كالفضة، وأصفر كالذهب، منه ما كتب عليه ببياض في حمرة، ومنه ما كتب عليه بحمرة في بياض - وعلى إحداها حمراء بأصفر.

نبت في الغصن مخلوقة

من قلب ذي شوق وأحزان

صفرني سقم الذي لونه

يخبر عن حالي وأشجاني

وعلى صفراء بأحمر:

تفاحة صيغت كذا بدعة

صفراء في لون المحبينا

زينها ذو كمد مدنف

بدمعه إذ ظل محزونا

فامنن فقد جئت له شاكيا

وقيت من بلواه، آمينا

وكان من هيامهم بالتفاح وغيابه عنهم أحيانا أن اتخذوا له تمثالا يتهادى به الأغنياء وأهل الترف، فصاغوا من العنبر على مثال التفاح، وكتبوا عليه ما شاءوا بخيوط الذهب؛ قال في «الأغاني»: قال أحمد بن صدقة: «كنت عند المأمون، وقد كان غضب على حظية له، فلما طابت نفسه بالغناء، وجهت إليه بتفاحة عنبر مكتوب عليها بالذهب: «يا سيدي: أسلوت؟»

وكتبوا على تفاحة عنبر بالذهب:

ليس شيء يتهادى

مثل تفاح مكتب

يا منى قلبي ما تر

ثى لذي عشق معذب؟

وقد أكثروا من التهادي بالتفاح، وما أكثر الأخبار التي وردت في ذلك، وما كانوا يهدون زنبيلا ولا شيئا كثيرا، إنما يهدون تفاحة واحدة صنعت بها البدع؛ إذ كان من قوانين الظرف عندهم الاعتداد بالمعنى لا بالمبنى، وبظرف الهدية وقلتها لا بكميتها وكثرتها. حدث صاحب الأغاني عن «عريب» المغنية أنها قالت لصاحب لها: قد بلغني أن عندك دعوة اليوم؛ فابعث إلي نصيبي منها، فبعث إليها طعاما كثيرا، فلما وصل إليها أنهبته الناس وبعثت إليه رقعة تقول فيها: يا أعجمي يا غبي أظننتني من الأتراك ووحش الجند، فبعثت إلي بخبز ولحم وحلواء؟! الله المستعان عليك. ثم علمته ظرف التهادي بإهدائه شيئا قليلا جميلا قيمته في فنه لا في كثرته.

وقد قام التفاح هذا المقام لكثرة ما يستطيع عند الفنان أن يجيد فيه.

ثم كان من أجمل مظاهر الجمال عند الخلفاء والأمراء والسراة «الفوارات» أو النافورات في البيوت وفي البساتين العامة، قد صنعت من الخزف الجميل المنقوش، أو من الرخام، وقد تصنع أنابيبها من الذهب والفضة؛ وكان من أساليب تفننهم أن ينثروا الورد فوق عيون الفوارات، فيدفعه الماء بقوة ويصعده إلى علو كبير ثم ينزل في البركة، أو ينثر على الناس، وقد اشتهر بهذا الوزير المهلبي.

فكان من إعجابهم بالتفاح أن يهندسوا الفوارة هندسة خاصة، ثم يضعوا التفاح الأحمر فوق عين الفوارة، فيدفعه الماء إلى أعلى، وتتدافع قوة الماء النابع من الفوارة والهواء الذي يدفعه الماء إلى أعلى وثقل التفاحة وميلها إلى السقوط، فتبقى التفاحة واقفة تدور في مكانها، فيكون من ذلك منظر عجب، وفي ذلك يقول الشاعر:

وفوارة سائل ماؤها

بتفاحة مثل خد العشيق

كمنفخة من رقيق الزجاج

تدار بها كرة من عقيق

ولكثرة ولوعهم بالتفاح ألف الأدباء فيه التآليف المفردة، فألف الجاحظ «كتاب التفاح» وألف بهذا العنوان غلام ثعلب، والوشاء، وإن كنت لم أعثر على شيء من هذه الكتب.

هذا قليل من كثير مما ورد في الأدب العربي عن التفاح.

وقد حرمتنا الحرب أن ننعم بالتفاح الجميل اللطيف، فلا أقل من أن ننعم بذكراه.

| في الحياة الروحية1

1

في الإنسان - فيما أعتقد - قوة أو ملكة غير القوة العاقلة، يستطيع أن يدرك بها نوعا من الحقائق في هذا الكون من غير أن يستعمل الطرق المألوفة في المنطق، من مقدمات يستنتج منها نتائج، وهذه القوة موضع الوحي والإلهام والكشف ونحو ذلك من أسماء، وهي لا تعتمد على حساب للمقدمات وتقدير للنتائج، وإنما هي ومضة كومضة البرق تنكشف بها بعض الحقائق.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٤٤