وهنا طلع علينا صديق مرح: السلام عليكم. - عليكم السلام. - ما لكما ساهمين؟ - نفكر؟ - في ماذا؟ - في نظرية التقدم المستمر. - ها ها ها.
أفي مثل هذا الجو وهذا المنظر يكون هذا الحديث؟؟ تكلما في غروب الشمس الجليل، أو في هذا البحر الجميل، أو في هذا الهواء العليل، لا في هذا الموضوع الثقيل! ولكنكما كما قال المثل: «يموت الزامر وإصبعه تلعب».
| خطاب
القاهرة في 1 / 5 / 1944م.
أخي العزيز ...
معذرة إن تأخرت في الكتابة إليك، فقد مرضت مرضا خطيرا طال شهرين. لقد أضعف المرض جسمي، ولكنه صهر نفسي. أتاح لي أن أستعرض حياتي الماضية، فرأيتني كنت أعنى فيها بالسطح دون العمق، تشغلني التوافه، وأطمح إلى أوهام؛ فأخذت - في مرضي - أتعرف إلى الغرض من الحياة، وأشتاق إلى تفهم معناها، فأجتهد أن أجتلي حقيقتها المغطاة بالأشكال والأسماء، وأبحث عن نقطة الاتصال بين الله والإنسان، كأن نفسي كانت نبعا مدفونا فتفجرت، وكأن الله كان في السماء فصار في القلب.
لشد ما يكون الإنسان أقرب إلى ربه في مرضه، وفي أحزانه، وفي شدائده؛ لأنه يطلب النجدة فلا يجدها في الأصدقاء والأقرباء، وإنما يطلبها ممن لا تحد قوته، ولا تقصر قدرته، ولأنه في مثل هذه المواقف تتكشف له النفس الإنسانية فيراها ضعيفة بذاتها، قوية بربها.
قلبت - في أثناء مرضي - في دفاتري القديمة، فوجدتني قد نما عقلي وفتر قلبي، ولوددت لو كان العكس. وأقسم أني لم أحزن على شيب رأسي كما حزنت على دبيب المشيب إلى قلبي، فالقلب صلة الأرض بالسماء، ومهبط الوحي من السماء إلى الأرض؛ والقلب هو الحب، وهو الانسجام، وهو الجمال؛ والقلب هو الدين، وهو الأخوة، وهو الإنسانية؛ وما الحياة بغير هذا كله؟ إن العالم لم يسعد بنمو العقل بقدر ما شقي بضعف القلب؛ إنه أهدى في الحياة من العقل، إنه منبع السرور والألم، إنه منار الحياة.
حبب إلي في مرضي التصوف، والتصوف الحق سر الدين، والفقه ظاهره، فقرأت فيه كتابين، كان خير ما فيهما الحديث عن القلب، وخير الحديث عن القلب قصة جميلة قصها متصوف. قال: إن تاجرا ألهته التجارة عن صلاة الجمعة، فما انتبه إلا في موعد الصلاة، فتوضأ على عجل وأسرع إلى المسجد، حتى إذا أدركه رأى رجلا خارجا منه، فسأله متلهفا: أتمت الصلاة؟ قال: نعم. فتأوه التاجر آهة خرجت من أعماق قلبه. فسأله الرجل: أتبيعني آهتك بصلاتي؟ قال: نعم! وتم البيع والشراء - ثم رأى التاجر النبي
صلى الله عليه وسلم
في المنام فعاتبه على بيعته، وقال له: «أتبيع نبض الحياة بعمل الجوارح، وعصارة القلب بظواهر الحركات؟! لقد غبنت أيما غبن في بيعتك».
وشغفت - في مرضي - بنوع من الصلاة لطيف، أن أمجد الله في جمال الطبيعة، وأعبده بالنظر إلى سمائه وأرضه وفي جميع خلقه، وأقرأ في كل ذلك فنا دونه أي فن، وقلبا ينبض بالحياة، موسيقى أنغام وجمال انسجام، وإبداعا في التكوين، ووحدة في الوجود، وتدرجا في الارتقاء، وحياة متشابهة في الجميع،
أعطى كل شيء خلقه ثم هدى .
ما الفنان؟ ما الموسيقى؟ وما المثال؟ ما الشاعر؟ ما الأديب؟ كل رأى جمال الطبيعة من زاوية، وقدسه في نفسه، وقلده في فنه، وفني فيه فحيي نتاجه، ورأى الله فيما تخصص فيه، فآمن ولو كان ملحدا؛ وآية إيمانه إقراره بأن جمال الطبيعة فوق جمال فنه، وجلاله فوق جلاله، وإحناؤه رأسه علامة الخضوع، والإقرار بالعجز عن بلوغ شأوه!
غصون وأوراق وأزهار، وجبال ووديان، وبحار وأسماك، ونجوم وسماء، كلها تحيا حياة واحدة وإن تنوعت أسماؤها وصفاتها، ونفس إنسانية هي أعجب العجب، وكل ذلك وحدة مرتبطة الأجزاء، إن قرأت الألف فيها قرأت الباء إلى الياء. وكما قال شاعر فارسي ظريف: «لما لم يكن للطفل أسنان كان لبن، فلما كانت الأسنان كان الطعام الذي يتناسب والأسنان»؛ وكل شيء في العالم مرتبط هذا الارتباط.