تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال: إنك تبالغ كثيرا في تقدير المدنية، وإني لا أعد تقدما إلا رقي الطبيعة الإنسانية، وهل هي تقدمت كما تدعي؟ إن المدنية فيما أرى ليست إلا طلاء براقا للطبيعة الإنسانية المتشابهة في القديم والحديث. والإنسان متقدم - كما ترى - في حالة عدم الإغراء وعدم الاحتكاك، فإذا أغري أو وقع في محنة زال طلاؤه وتكشف عن طبيعة تشبه طبيعة الإنسان الأول، كما تراه في الحروب. إن الأمم في حرب بعضها بعضا لا تراها أكثر إنسانية ولا حبا للعدل ولا رغبة عن الانتقام من أسلافها الأولين، ولا أظن أن الإنسان في حاضره قد شابهه أي إنسان آخر قبله في فتكه وإبادته وتخريبه! وحتى في غير أيام الحرب تستطيع أن تقارن بين الاستعمار القديم والاستعمار الحديث لترى ماذا يفعل الإنسان، وهل تقدم إنسان اليوم عن جده؟ ومن الغريب أنك ترى الإنسان المتمدن لم يذبح في حياته دجاجة، ولم يقتل حشرة، فإذا دخل في ميادين القتال كان سفاكا فتاكا، وتكشف عن طبيعة تشبه طبيعة القط رأى الفأر لأول مرة - إن كان هذا فماذا فعلت المدنية؟ أمدت سككا حديدية، واخترعت الراديو والتليفون، وأنشأت الآلات الصناعية، وهل هذا تقدم في الطبيعة الإنسانية؟!

لست - من غير شك - أنكر قيمة ما اكتشفه الإنسان الحديث وما اخترعه، وما استفاد من تجاربه مما غير به وجه الأرض، ولكني أومن في الوقت نفسه أنها أمور خارجة عن نفسه؛ فإذا قسنا الإنسان بمقياسه الحقيقي - وهو طبيعته البشرية - لم نؤمن بالتقدم الكبير الذي تدعيه. وهذا يدل على أن الإنسان خاضع لقانون الوراثة أكثر من خضوعه لقانون البيئة، أو بعبارة أدق هو خاضع لهما بنسب متفاوتة جدا.

قلت: إنك تستصغر التقدم الإنساني إذا قسته بالطبيعة البشرية، وتستنتج من ذلك فساد النظرية. ولكن ...

وهنا قال صاحبي: ألم تتعب من السير؟

قلت: الحديث أنساني نفسي وأنساني تعبي، فلا أذكر إلا حجة تقرعها حجة، فهل لك أن نجلس على الرمل ننعم بغروب الشمس في البحر؟ فجلسنا وسألني: ولكن ماذا؟

قلت: ولكن يظهر أنك تقيس الإنسان القريب بالإنسان الحاضر، والإنسان المعروف في التاريخ بالإنسان اليوم؛ فأمعن في تاريخ الإنسان الأول يوم لم يكن يفترق عن الحيوان إلا قليلا، وآمن بما يقوله العلماء المحدثون من أن عمر الإنسان على وجه الأرض مئات الآلاف من السنين، وأن الطبيعة لا تعرف الطفرة، ولكن تعرف التقدم البطيء؛ فإذا لم تر إلا تقدما قليلا إذا قصرت نظرك على الإنسان التاريخي، فإنك ترى التقدم كبيرا إذا ضممت إلى ذلك الإنسان قبل التاريخ، وكم بين الإنسان الذي يشبه القرد، وبين فلاسفة العصر الحاضر وعلمائه وشعرائه وفنانيه من فرق!

ثم إن في طبيعتنا البشرية نفسها مصداق ما أقول. إن الطبيعة لم تخلق فينا الأمل والطموح عبثا، إنما خلقتهما للسعي الدائب للرقي الدائم، ولو أرادت الطبيعة أن يقف الإنسان عند حد لجردته منهما كما جردت الحيوان. إن للأمل في الإنسان وظيفتين: احتمال متاعب الحياة الحاضرة، والسعي لحياة مستقبلة خير من حياته التي يحياها، وهذا مبعث التقدم في مسكنه، وملبسه، ومأكله، وعقليته، ونفسيته.

قال: هب ما تقول صحيحا، فما قيمة «التقدم المستمر» إذا كان مصير الإنسانية الفناء؟ لا شك أن سيأتي يوم تبرد فيه الأرض تبعا لبرودة الشمس، أو نحو ذلك كما كان الحال في كثير من النجوم، وإذا بالإنسانية كلها قد فنيت. وإذا كان الأمر كذلك فسواء صحت نظرية «التقدم المستمر» أو «الانحطاط المستمر» فالنتيجة واحدة وهي الفناء، وبذلك تكون الغاية التي يسير إليها العالم غاية مضحكة، فإذا كانت غاية مقصودة كانت غاية في منتهى السخف.

قلت: ذلك يكون صحيحا لو حسبت حساب هذا العالم المادي وحده، ولم تضم إليه الحياة الأخرى؛ أما إذا آمنت بحياة أخرى يستمر فيها الرقي والكمال، وتكون فيها الروح بعد تجردها من المادة أقدر على الرقي وبلوغ الكمال حتى تقرب من خالقها، لم يكن لاعتراضك وجه، ثم إنا إذا سلمنا بهذه الحياة الأخرى. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٤٠