بالأمس أخذت كرسيا عصرا، ونزلت إلى حديقتي المتواضعة، وصعدت إلى السطح مساء في ضوء القمر الساحر. وكان قد استولى علي التفكير في نفسي، ماذا صنعت في الحياة؟! اكتفيت بأنك تخط القلم على القرطاس، وتخرج مقالا في صحيفة أو تنشر كتابا تؤلفه، أكل هذا عملك في الحياة؟ أما الانغماس في الحياة الواقعة وإصلاحها بقدر الطاقة فقد نفضت منها يدك، فعاقبتك الطبيعة بشيء غير قليل من السأم؛ فالطبيعة التي غرست في الإنسان المحافظة على ذاته غرست فيه المحافظة على نوعه، فمن لم يحافظ على ذاته برم بالحياة؛ لأنه انحرف عن سنة الطبيعة، ومن لم يحافظ على نوعه بالعمل في خدمته عاقبته الطبيعة بالسأم والضجر؛ لأنه خرج على قوانينها، إنك أخذت في حياتك موقف «المتفرج» من رجال الإصلاح ورجال السياسة ورجال الدين، وجلست تنظر إلى هؤلاء جميعا نظرك إلى ملعب كرة، أو رواية في سينما، أو منظر في تمثيل، وتلذذت من هذه المناظر أو ألمت، فكانت اللذة لنفسك، والألم لنفسك لا للناس؛ وغمرك شعور باطني بنوع من الإعجاب بنفسك؛ لأنك استطعت أن تدرس هذا كله في جو هادئ، كما تدرس موضوعا في مكتبتك، وأن تنظر إلى المسائل الدينية والسياسية والاجتماعية من وجهها الصحيح ووضعها المستقيم، فلن يصدك عن النظر الصحيح حرارة الحزبية، ولم يعمك عن الحقيقة منافعك الشخصية، ونظرت إلى الممثلين في هذه الأمور كلها نظرة المؤرخ الصادق، تذكر ما لكل شيء وما عليه، وأعجبك فهمك لهذه المناظر، إذ ترى أحيانا منظر طامح إلى المجد وإلى الشهرة وإلى المنفعة الشخصية يلبس على المسرح ثياب الطهر والنقاء والغرام بالصالح العام، وترى سمين الرغبة في المال يلبس ثياب الزهد في المال، والمتاجر بالدين أو الوطنية منح على المسرح لسانا طلقا يجعل الناس يؤمنون أنه يعمل ما يعمل لخدمة الدين والوطنية. وأعجبتك نفسك إذ منحت في هدوئك ودراستك ومكتبتك ما مكنك من رؤية الممثلين قبل أن يضعوا في وجوههم الأبيض والأحمر والشعر المستعار والثوب المصطنع، واستطعت بعقلك وخيالك أن تدخل عليهم في حجرة الملابس والزينة قبل أن يتصنعوا، ولكن هل من الحق أن تكون قابلا لا فاعلا، و«متفرجا» لا ممثلا؟!
وهكذا أعذل نفسي وأؤنبها؛ لأنها رضيت أن تكون على هامش الحياة لا في صميمها، وكان خيرا أن تنزل إلى الموقعة، فإما قتلت وإما قتلت؛ وإما كان الصدر وإما كان القبر؟ ثم أرضى عنها وأحبذ عملها؛ لأنها عاهدت الله ألا تنطق إلا بصدق، ولا تنتصر إلا لحق، فإذا أمكنتها الفرص فعلت، وإلا تنحت، ونفسك لا تصلح إلا لما فعلت، وكل ميسر لما خلق له، وحصانك لا يصلح إلا للسير في الطريق التي قطعت. فإن شئت طريقا آخر فغير حصانك إن استطعت، ومثلك الأعلى إما أن تصنعه من مال وجاه وشهرة ومنصب، وإما أن تصنعه من الحب، حب الخير والفضيلة والجمال والحق؛ ومعبودك الذي تعبده إما الوثن وإما الله، ولا يمكن أن تجمع بينهما.
وهكذا كان العراك بيني وبين نفسي، ولا أكتمك أني عندما أخذت كرسيي ونزلت إلى الحديقة كانت النظرة الأولى، وعندما صعدت إلى السطح كانت النظرة الثانية.
أتستطيع أن تعلل لي ذلك، وأن تذكر لي أي النظرتين أحق وأصدق؟ ما أصعب معرفة خبايا النفس لأنها آخر وأعقد ما حاولنا أن نستكشفه!!
لقد تمنيت أن يصح جسمي وتبقى نفسي صافية صفاءها في مرضي، أحتقر توافه الدنيا ولا أعبأ بها. ولكن ها هو دمي يجري من جديد في جسمي، فيحمل في ثناياه الشهوات التافهة والآمال السخيفة، فما أحرى بالإعجاب أولئك الذين استطاعوا أن يحتفظوا بطهارة دمائهم على غزارتها وحيويتها. •••
آسف لأني حدثتك كثيرا عن نفسي، وقد أردته خطابا، فلما بدأته نسيت، فكان مقالا. فقد كنت في الصباح أكتب مقالا فسرت عدوى الصباح إلى المساء.