ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم!
بل ما هذه العقلية التي تطنطن بها؟ إن الإنسان مع تقدمه المزعوم لم يظفر إلا بمعرفة أعراض المادة. أما حقيقة المادة وحقيقة الروح فلم يتقدم في فهمها أية خطوة، بل لعل الإنسان كان يقوده شعوره إلى السلوك في الحياة خيرا مما يقوده عقله المطعم بالمنطق والفلسفة! إن العالم - في نظري - كالرجل المتردد يقدم رجلا ويؤخر أخرى، فهو يبني ويزخرف، ثم تعرض له جنة الحرب، فيهدم ما بني وما زخرف، ثم يبدأ يبني من جديد وهكذا، وليته ما بنى وما هدم؛ وكلما أجاد البناء أجاد الهدم، وشجرة المعرفة كشجرة آدم، من أكل من ثمارها خرج من الجنة. والإنسان الكل كالإنسان الفرد، يبدأ طفلا ثم ينمو ثم يهرم ثم يموت ليخلفه طفل جديد. وهكذا الأمم وهكذا العالم، فهو يدور في حلقة مفرغة.
قلت: لعل خلافي لك ينحصر في نقطتين: الأولى: أنك قللت من قيمة التقدم العقلي؛ والثانية: أنك عممت السعادة ولم تفرق بين سعادة وسعادة. والنقطتان مرتبط بعضهما ببعض أتم الارتباط، فالإنسان إنما ارتقى عن الحيوان بعقله لا بحواسه وغرائزه، فإذا سلمت بأن الإنسان أرقى من الحيوان وجب أن نسلم بأن الإنسان الأرقى عقلا أرقى من الإنسان الأضعف عقلا. وإذا سلمت بذلك وجب أن تسلم بأن العالم في مجموعه إذا كان اليوم أرقى عقلا مما كان فهو في تقدم مستمر. ثم إن السعادة العقلية أو اللذة العقلية أرقى من الجسمية، بل إن الإنسان يفضل العقل مع الألم على الجهل مع اللذة؛ فلو خيرت أنت بين أن تكون فيلسوفا ساخطا وأن تكون جاهلا راضيا لاخترت الأولى، وحكمك أنت في هذا الأمر أصدق من حكم الجاهل؛ لأنك جربت اللذتين: لذة الجهل ولذة العقل، واللذة المادية واللذة العقلية. ففضلت الثانية على علم. ولو عرض على المتنبي الذي قال هذا البيت أن يكون الغني الجاهل أو الغبي المنعم لما اختار إلا نفسه وآلامها.
ولنعد إلى موضوعنا: إن العالم كله يسير اضطرارا نحو الكمال، فالسدم إلى نجوم، والنطفة إلى وليد، والحيوان الأدنى إلى حيوان أرقى، والبذرة إلى شجرة، والشجرة إلى ثمرة. والطبيعة لا تزال بكل شيء حتى تنضجه، فلم لا يكون الإنسان كسائر ما في العالم، يسير نحو النضج؟ وقد دلنا العقل على أن قوانين العالم منسجمة، يسير أكبرها على نحو ما يسير أصغرها.
قال: ولكن النضج يعقبه الفناء.
قلت: ولكن الفناء يعقبه أن يولد خير مما فني.
قال: لا دائما.
قلت: لتكن نظرتنا كلية لا جزئية؛ إن الإنسان سائر إلى الأمام دائما. والعالم في كل قرن خير مما قبله في جملته، والشرور والرذائل تقل شيئا فشيئا. والإنسان بطبعه - وبالضرورة - ككل شيء في العالم يسير نحو غاية هي الكمال. ونظرية النشوء والارتقاء وتنازع البقاء وبقاء الأصلح تصدق على الإنسان كما تصدق على كل ما في العالم.
قال: كم من شرير قتل خيرا، وكم من فئة متبربرة متوحشة غلبت فئة متمدنة راقية! ومكروب الحمى الحقير أمات محمدا رسول الله العظيم! وكل يوم نرى أمثلة الخير يلتهمها الشر. ألم تر اليوم ما فعلت النار بعشش رأس البر كيف أتت عليها وعلى ما فيها، وفزعت أهلها، وأرعبت جيرانها، والتهمت كل ما وصل إليه لسانها؟! وأهلها قد أتوا ليستجموا من عناء أو يستشفوا من مرض أو يتخففوا من ألم. وما قيمة هذا الحريق في رأس البر بجانب حريق العالم في هذه الحرب؟ فلم كل هذا الشر إن كان يراد بالعالم الخير؟
قلت: أعيد فأكرر قولي، يجب أن تكون نظرتنا كلية شاملة لا جزئية خاصة، فلا تنظر لشرير جنى، ولكن انظر إلى ما أنتجت الجناية من تحصين، ولا تنظر لمكروب أمات، ولكن انظر كيف تقدم الإنسان فعرف مكروبا لم يكن يعرفه، وفتك بالكثير منه وهو يحاول الفتك بالباقي، ولا تنظر إلى الحرب وويلاتها، ولكن انظر إلى نتائجها بما أصلحت من نظم، وأظهرت من مفاسد حركت الهمم لتلافيها ووضع خير منها مكانها. ومن قوانين العالم العامة ألا يكون بناء إلا بعد هدم، ولا علاج إلا بعد مرض. إن شئت الفكرة واضحة فقارن بين الإنسان في جيله الأول وانظر كيف كان يعيش، وكيف كان يتصور العالم حوله، وكيف كان يتصرف في المسائل التي تعرض له، وكيف كان يحكم؛ والإنسان في جيله الحاضر، كيف يعيش ويتصور ويتصرف ويحكم، تؤمن بالتقدم المستمر والسير إلى غاية هي الكمال.