تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولعل أكبر سبب لإشفاقي، وأكبر سبب لحيرة الشباب، ندرة الزعماء المتميزين، وكثرة الأعضاء الصالحين لا يقودهم رأس صالح . إن الزعيم القوي يبعث في النفوس إيمانا قويا يذهب بالحيرة، ونارا حارة تأكل التردد، وعينا حادة تعين الطريق عند مفترق الطرق، والزعيم القوي يلتهم الخلافات فلا يكون لها أثر، ويوحد بين الآراء المتشعبة فيكون منها رأي واحد يؤمن به الجميع، إلا من لا يعبأ به. والويل إذا تقارب الرؤساء في الكفاية، ولم يضطرهم رئيس ممتاز أن يخضعهم لكفايته، ويسيرهم لاعتقادهم بميزته.

ولكن الزمان علمنا أن الحيرة تخلق الزعامة، كما يتكون السديم نجما. والضلال يسبق الهدى، كما يكون الفجر الكاذب إرهاصا للفجر الصادق.

| على هامش الحكم

لقد ورثنا إرثا بغيضا من العصور الماضية، وهو ترك الحكام وشأنهم يفعلون ما يشاءون وحسابهم عند ربهم؛ وهو أثر من آثار العقيدة بأن الحكم فريضة القدر، إن شاء رحم الشعب فهيأ له حكومة عادلة، وإن شاء قهره فهيأ له حكومة ظالمة، والقدر يفعل ما يشاء بلا حساب. وكل ما يعرف من قوانين القدر أنه إذا كان الشعب صالحا يؤدي الفرائض الدينية كما أمر هيأ الله له حكومة عادلة، وأما إذا ارتكب الخطايا عوقب بحكومة ظالمة.

وكان نموذج الرجل الطيب بناء على هذا هو من يبتعد عن السلطان، وبعبارة أخرى عن رجال الحكم، فلا يأخذ عطاءهم، ولا ينقد عملهم، وإنما ينقطع للعبادة ما أمكن، فإن شارك في أعمال الدنيا فبالأعمال الصالحة، وهي تكاد تنحصر في الإحسان إلى الفقير، وإطعام الجائع، وكسوة العريان ونحو ذلك. ونقرأ في الكتب القديمة فنرى هذا هو المثل الأعلى للرجل، عبادة وعزلة، والاكتفاء بذلك إن كان فقيرا، وصدقة وبناء مسجد إن كان غنيا. أما موقف الشعب من الحكومة فهو كموقفه من الشمس؛ لا يستطيع إليها الصعود ولا تستطيع إليه النزول، ولا يستطيع أن يغير حرارتها إن اشتد القيظ، ولا يزيد حرارتها إن اشتد البرد، كما قال الشاعر:

هي الشمس مسكنها في السماء

فعز الفؤاد عزاء جميلا

فلن تستطيع إليه الصعود

ولن تستطيع إليك النزولا

وتلون كثير من الأدب العربي في العصور الوسطى بهذا اللون من إعلاء شأن السلطان وعدم التعرض له بخير أو شر، ومدح الذين نفضوا أيديهم من الأمر، والإشادة بشأن من دعوا للمشاركة في الحكم فأبوا، وللقضاء فامتنعوا، ولعطاء السلطان فهربوا - وامتلأ بالحكم والمواعظ والأمثال من هذا القبيل.

هذا شأن الأتقياء وأصحاب الزهد والورع. فأما أهل الدنيا مثل الشعراء، كما كانوا يسمونهم - فإغراق في المديح، وتفنن في البديع، وإفراط في وصف الحاكم بحسن الصنيع، يمدح إذا أتى بالخير، ويمدح إذا أتى بالشر؛ فإعطاء الألف كرم يفوق كرم السحاب، وقتل البريء حزم، والانهماك في الملذات ظرف، والكلمة العادية حكمة وهكذا. فهناك قوم سلبيون لا يتعرضون بخير ولا شر، وقوم إيجابيون «كالمطيب» للمغنيات. فأما جهر بالرأي ونقد للحكم فلا، إلا في القليل النادر!!

كان هذا هو الشأن أيضا في العهد الروماني، وكان هو الشأن في أوروبا قبل الثورة الفرنسية، ولكن كل هذا تغير عندهم إلى حد كبير، وعندنا إلى حد صغير، ويجب أن يكون - أيضا - إلى حد كبير.

في العصور الماضية كان الفرد مسئولا فقط عن نفسه، فإن تعداه قليلا فعن أسرته، وكان الحكم مسئولا عنه القدر وحده، أما اليوم فالحكم الصالح أو الفاسد في الأمة مسئول عنه كل فرد - أنا وأنت وهو مسئولون عن وزارة المعارف كيف يجري فيها نظام التربية والتعليم، وعن وزارة العدل كيف يجري فيها تحقيق العدالة، وعن وزارة التموين كيف يصل الغذاء الكافي واللباس الكافي لأحقر فلاح في أبعد أرض، وعن وزارة الخارجية ماذا فعلت في المشاكل المصرية بينها وبين الأمم الأجنبية، وكيف حلتها أو أهملتها.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٣٦