ورجال الدين يصرخون: ضاع الدين ففسدت الأمم، وماتت الروح فضاعت الذمم، ولا نجاة إلى بعودة الدين إلى حياته ليعود لضمير إلى محاسبة النفس، ولكن ماذا فعل رجال الدين ليصوروه دين روحانية لا مادية فيها، وسمو أخلاق لا ضعة فيها، وحقيقة لا خرافة فيها، وسماحة لا ضيق فيها، وصفاء نفس لا شائبة فيها، وخدمة للإنسانية لا كراهية فيها، وعون على التقدم الاجتماعي لا رجعية فيه، وتصفية العلاقة بين العبد وربه لا تكديرها، وتجرد عن خدمة السياسة والاستبداد والشهوات والأغراض؟! هذا موضع حيرة.
والمصلحون السياسيون ينادون أن النظام الحالي للدول سبب البلاء، فأمم متقاطعة ترتكز سياستها على ضيق النظر وكسب الغنائم على حساب غيرها؛ وتوجيه الشعوب لمصلحة حكومتها لا توجيه الحكومة لمصلحة شعبها، ونظم تتنازع العالم بين شيوعية ونازية وديمقراطية، ويؤول تنازعها إلى انقسام العالم إلى معسكرات وفناء الملايين من بني البشر، وتسخير العلوم والفنون للحرب، وغير ذلك. ولكن ما هي النظم التي يجب أن تحل محل القديم، وكيف تفرض على الجميع، ومن الذي ينفذها؟ لسرعان ما توضع المبادئ الإنسانية في الحرب، ثم تنسى في السلم، فكيف ينفذ في السلم ما يقال في أيام الحرب؟ هذا أيضا موضع حيرة.
ورجال الأخلاق يشكون من ضياع الأخلاق الفاضلة؛ فقد ضاع عطف أفراد الأسرة بعضهم على بعض، وعطف رب المال على العمال، والعمال على رب المال. وضاعت حرمة القوانين والمبادئ كما ضاعت حرمة المعاهدات. وفشا الشك في قيمة الفضيلة كما فشت الفوضى في العقول. ولكن كيف السبيل للإصلاح؟ إن المواعظ والنصائح وكتب الأخلاق لا تؤثر ما لم يدعمها الإصلاح السياسي والاجتماعي، وقد أبنا صعوبته وحيرتنا فيه! فهنا حيرة كتلك .
العالم كله غارق في الحيرة من هذا ومن أمثاله. •••
ثم للشرق حيرة أخرى بجانب هذه الحيرة العالمية، بل حيرات. إن مصيره مرتبط بمصير العالم، فهل تتغلب المبادئ الإنسانية والعدالة الاجتماعية فتنظر للشرق كأنه أخ للغرب، إن تخلف عنه يأخذ بيده حتى يتقدم، كما يأخذ الأخ العاقل العادل الكبير بيد الأخ الصغير فيعلمه ويمرنه ويعده لمستقبله خير إعداد، ويؤهله للتعاون معه في إعلاء مجد الأسرة؟ أو يسلك معه في الحاضر ما سلكه في الماضي فيكون كالأخ الظالم الكبير يتولى الوصاية على الصغير فيسلبه ماله، ولا يعلمه لأنه ينتفع بجهله، ويعينه على الفساد لأن فساده خير له من صلاحه؟: هذا موضع حيرة! وحيرته في هذا مشوبة بالخوف، والخوف مبعث القلق، والقلق يؤدي إلى الاضطراب، والاضطراب ليس في مصلحة الحاكم ولا المحكوم، لا الغالب ولا المغلوب.
ثم هو قد توزعته الدعاة؛ فداع إلى المثل القديم يريد نظام التشريع القديم ويريد التعليم على الأساس القديم، ويريد التمسك بالعادات والأوضاع القديمة؛ فلا سفور للمرأة، ولا أخذ من التشريع الحديث، ولا أخذ من المدنية الغربية إلا أن تقرها المدنية القديمة، وإلا في حدود ضيقة جدا؛ ودعاة يدعون إلى التجديد في كل شيء، ونقل الشرق إلى الغرب في نظمه وتربيته وكل شؤونه. وهؤلاء وأولئك جادون في دعوتهم، مقتسمون الشباب فيما بينهم، مؤيدون بالبراهين القوية وجهة نظرهم. يرمي الأولون الآخرين بالتهور، ويرمي الآخرون الأولين بالجمود، والشباب بينهما حائر!
ثم دعاة التجديد فيما بينهما منقسمون ومتوزعون على المثل العليا، تقسمتهم المذاهب السياسة والمذاهب الاجتماعية، وبعضهم حرب على بعض، وكثيرون ينظرون إلى هؤلاء وهؤلاء، فيصرخون من أعماق صدورهم: أين الحق؟
إن رمي الغرب بحيرة، فقد رمي الشرق بحيرة خاصة بجانب الحيرة العامة.
لست أكره هذه الحيرة ولا أمقتها، فهي دليل الحياة، ودليل النشاط؛ ولكن أشفق على أهلها إشفاقي على الهائم في طريقه، الضال في مسلكه، أو المريض تضاربت في علاجه أقوال الأطباء.