تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومسئولون عن الوزارة كلها ككل؛ هل نرضى عن سياستها فتبقى، أو لا نرضى فتعزل أو تسقط؟

ونزل الحكم من شمس السماء إلى كرة في الأرض نوجهها حسبما نشاء، ونصيب بها الغرض الذي نشاء، فإن أطاعت فيها، وإلا قذفناها إلى غير رجعة.

فإذا شكونا من وزارة خانت فلنشك من أنفسنا؛ نحن الذين مكناها من الخيانة، وإذا مدحنا وزارة عدلت فلنغتبط إذ نحن الذين حملناها على العدل.

لقد أصبح الرجل الطيب لا من يتنحى عن العمل ويعتزل في صومعة، ولكن من يقول ويعمل كما يقول؛ وأصبح الشاعر الطيب لا من يمدح بالحق والباطل، ولكن من يمدح حيث يجب المدح ويذم حيث يجب الذم؛ وأكثر من ذلك من يعبر عن مشاعره في صدقن، والعمل الصالح ليس في إعطاء فقير وكسوة عريان فقط، بل في نقد أعمال الحكومة أيضا، والبطل ليس هو القديس ولكنه المصلح.

والشعب الصالح للبقاء ليس هو الشعب الذي يقول: دعوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله، ولكن الذي يقول: ما لقيصر وما لله لله وللأمة؛ هو الذي منح شعورا مرهفا بالظلم يمقته حيث كان، في الشركات، في الوزارات، في الحكومات، فإذا رآه صرخ وقال: «لا ظلم» بملء فيه.

والشعب الصالح للبقاء من لا يكتفي بتضميد الجروح، ولكنه ينقي الدم - فهو لا يقنع كما كان يقنع الأول بالبكاء على الرذيلة، ولكنه يعمل لتدعيم الفضيلة.

لم تعد الصومعة ولا الدير موطن البطولة، إنما موطنها ميدان العمل؛ فمكافحة الملاريا أفضل عند الله من ألف صلاة تزيد عن الفرض، وتنوير الشعب بحقوقه وواجباته خير من الصوم الدائم، وتحسين حال الصناع والعمال والفلاح أقرب إلى الله من الرهبنة!!

وأصبحنا نفهم الزكاة بمعنى أوسع، فليست الزكاة واجبة على الأغنياء في أموالهم فقط، وإنما هي واجبة أيضا على العالم في علمه والفنان في فنه، والقادر في قدرته، والموهوب في مواهبه، كل عليه زكاة يؤديها لخدمة المجتمع.

وأول واجب يطالب به الناس كافة إقامة الحكومة الصالحة العادلة التي ترعى حقوق الشعب.

تسألني: وكيف يستطيع الشعب القيام بذلك؟ أقول: إن الحكومة الظالمة لا تستطيع البقاء في منصبها يوما واحدا إذا صرخ الشعب كله صرخة واحدة صاعدة من قلب يشعر بالظلم؛ صرخها الكناس في الشارع، والعامل في المعمل، والصحفي في صحيفته، والنائب في برلمانه.

لقد روي في الأثر: «كما تكونوا يولى عليكم» وهو حق صحيح، ولكن لا بالمعنى الشائع، وهو أنكم إذا صلحتم من عليكم القدر بحكومة صالح، ولكن بمعنى ارتباط السبب بالمسبب والعلة بالمعلول، فإذا صلحت الأمة صلح الحكم؛ لأن الأمة لا تصلح حتى تضع عينها على الحكم تعرف ماذا يفعل، وتستخدم لسانها لتوجهه أو تنقده أو تزجره - وأما إن هي تركته يفعل ما يشاء، وأخذ المخادعون والمنافقون والكتاب والأدباء والشعراء والصحف يطرون ظلمه ويسبحون بحمده، أو أخذوا بأضعف الإيمان، وهو الاستنكار بالقلب، كانت النتيجة لا محالة حكومة فاسدة وحاكما ظالما. ومن الحق ما قاله أبو الطيب:

والظلم من شيم النفوس، فإن تجد

ذا عفة فلعله لا يظلم

وليس يمنع حاكما من ظلمه مثل أن يرى أمة لا تقر ظالما على ظلمه، ورأيا عاما جريئا يشعر بالعدل، ثم يعبر في صراحة عما يشعر به، وشعبا يحلل أعماله وينقدها ويقومها.

وليس يمكن أن يصل شعب إلى هذه الدرجة إلا بتنويره وتثقيفه، ولست أعني الثقافة العلمية الخاصة، ولكن الثقافة العامة بالصحف والمجلات والراديو وخطب المساجد، وما إلى ذلك في الموضوعات الواقعية التي تواجهنا كل يوم، فكم من مثقف في النحو والصرف والرياضة والطبيعة والكيمياء، ثم لا يفهم شيئا من أمور الدنيا، ولا مما يجري حوله من مظالم.

فإذا ثقف الشعب هذه الثقافة السياسية والاجتماعية العامة أمكن أن يكون له رأي عام يخيف الحاكم ويحمله على العدل.

إن أول واجب أن يفهم الشعب أن الحكومة من عمله، وليست من عمل القدر، وأن ظلمها وعدلها وصوابها وخطأها وضلالها ورشدها صورة منعكسة لحالة الشعب من قوة أو ضعف، وتنبه أو خمود، ورقابة أو إهمال.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٣٧