تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

د :

هذا يا سيدي من ضعف الفنان؛ فالفنان القوي يقود الشعب ولا ينقاد له، ويسير أمامه لا وراءه، كالنبي يطلع على الناس بالجديد في تعاليمه، ثم يحملهم على الجادة بقوته التي يستمدها من ربه، وبما هيأه له الله من قوة قلبه.

أ :

ولكن ألا ترون أنكم بالغتم في الحط من قدر الحزن والبكاء، وفي عدهما علامة ضعف الأمة؟ أليست الدمعة علامة رقة الشعور وطهارة القلب وصفاء النفس؟ ألم يقل كبار الفلاسفة: إن المأساة أرقى وأنبل من الملهاة؟ والمأساة تثير الدمع والملهاة تثير الضحك!

والشاعر يقول:

ما واجد الصبر في المعنى كفاقده

وجامد الدمع في المعنى كجاريه

إن الحزين الدامع أقرب إلى قبول الخير من اللاهي الضاحك القاسي.

ب :

إن الحزن ألوان والدمع ألوان. وإن ما نكره هو الحزن يقبض النفس، ويبعث على اليأس ويصرف عن الحياة، وإن الأمة بهذا النوع من الحزن لا يرجى منها أي خير، ولماذا تكون رقة الشعور في الحزن ولا تكون في السرور؟ إن النفس الإنسانية أوتار ولا بد أن نوقع عليها جميعا، فأما أن تبكي فقط فقتل للنفس. لا بأس من الحزن، ولكن حزن الرجال، وخير من قول شاعرك الذي حكيت قول أبي تمام:

ولربما ابتسم الكريم على الأذى

وفؤاده من حره يتأوه

وهذا معنى كريم، فهو يشعر ولكن لا يبكي، ويتأوه ولكن يعمل في مقاومة ما يتأوه منه، يألم من الشر ولكنه يدفعه، ويفرح بالخير ويستزيده. ألا ترى أن الطفل يبكي كثيرا حيث لا يبكي الرجل؟ إن الأطفال يبكون لأنهم يتألمون ويعجزون عن إزالة أسباب الألم، وهم لا يبكون للألم ولكن للعجز؛ فالحزين الباكي من الرجال طفل يتألم ويعجز، والقادر القوي يتألم ولا يبكي؛ لأنه لا يعجز أتريد أن تكون الأمة أطفالا أو رجالا، أو تريد ...

وزمرت السيارة زمرتها إيذانا بالحضور، فركبنا والمطر ينهمر، وعدنا إلى منازلنا، أفكارنا هائمة في حوارنا.

| الحيرة

لست أنسى تلك الأيام التي قضيتها في فندق «أوريان بالاس» في دمشق أيام مهرجان المعري، وكان الشباب السوري يتحلق حول العلماء الوافدين، ويمطرهم بالأسئلة الاجتماعية والسياسية الأدبية.

إن كان هناك طابع يميز هذه الأسئلة فهو «الحيرة»؛ الحيرة فيما يجب أن يعملوا لأنفسهم ولصالح أمتهم؛ والحيرة في المذهب السياسي والاجتماعي الذي يجب أن يعتنقوه؛ والحيرة في موقفهم إزاء المدنية الحديثة، ماذا يأخذون وما يذرون؛ والحيرة في كيفية التوفيق بين مطالب الإسلام ومطالب المدنية.

وليس الأمر مقصورا على الشباب السوري، فالشباب الشرقي كله حائر في هذه الأمور وأمثالها، بل كل المثقفين وأولي الأمر حائرون.

ولهذه الحيرة أسباب خاصة في كل قطر، وأسباب عامة في العالم.

إن العالم كله اليوم حائر؛ لأنه هدم قديمه، ولما يبن جديده، كالسائر يمشي في الطريق الواضح المعلم حتى إذا أتى إلى مفترق الطرق حار أين يتجه. نقم المصلحون على الوطنية؛ لأنها جرت التنافس إلى حد التناحر؛ ولأنها أدت إلى المغالاة في حماية الصناعة الوطنية والتجارة الوطنية، وفرض كل أمة صناعتها وتجارتها وسياستها ورجالها على مستعمراتها، وأشعلت نيران العداوة والحسد والغيرة بين الأمم حتى أدت إلى هذه الحروب الطاحنة، ونادوا بأن تحل الإنسانية محل الوطنية، أن تفتح البلاد للتجارة الحرة تتنافس تنافسا مشروعا أساسه الرخص والجودة وما إليهما. ولكن كيف ترسم هذه الخطط لبرنامج الإنسانية، وكيف يحافظ على مزايا الوطنية وتتجنب أضرارها، وكيف نتخلص من إرث قيم في نفوسنا، وأين الساسة القادرون على أن يقودوا الرأي العام لا أن يقودهم الرأي العام؟ كل هذا لم يتبين بعد، فالناس حائرون.

وشكا آخرون من التربية وقالوا: إنها علة العلل، وإنه تخدم الوطنية وتؤججها، وتبعث في نفوس الناشئين ضيق النظر وعصبية الجنس والأمة، وتعد للحرب والخصومة والسير على آثار من قبلهم في تصور نظم الحكم؟ ولكن كيف الإصلاح؟ وكيف يعم هذا الإصلاح الأمم كلها حتى لا يتسلح قوم بالوطنية والخصومة، بينما الآخرون متسامحون يؤسسون تعاليمهم على الإنسانية والعطف والإخاء؟ وكيف ينفذ الإصلاح - لو عرف - والقابضون على زمام التربية والتعليم عقليتهم من جنس عقلية حكومتهم التي تحافظ على القديم وتكره الجديد، خصوصا إذا كان جديدا ثائرا؟ هذا موضع حيرة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٣٤