أ :
هذا قول غير صحيح؛ فالإسلام بشر وأنذر، ورجال الدين كما زادوا في وصف النار زادوا في وصف الجنة، وغرضهم من التخويف بالنار وعقابها ردع الناس عن الفجور، وحسنا فعلوا، فهل تعجبك أوروبا في مباذلها ومباهجها واستهتارها؟ تبا للسرور إذا أنتج هذه النتائج، ولخير منه ألف مرة الحزن مع الاستقامة (قال ذلك في شيء من الحدة والغضب) .
ومن حين لآخر يسود الصمت فنسمع صوت الرعد وانهمال المطر، فنفكر في وسيلة العود، وما رأيك أنت يا سيد (د) إنا لم نسمع منك كلمة من بدء الحديث؟
د :
إني أستمتع بحديثكم وأستزيد علما من أقوالكم وجدلكم، وعندي رأي أبديه بين آرائكم، هو أن سبب الحزن السائد هي الفنون، من شعر وموسيقى وغناء. فالفنون - في نظري - هي قادة الشعوب وخاصة في مشاعرها، وقد رأيت الشعر العربي يميل دائما إلى الحزن من حين قال امرؤ القيس: «قفا نبك» إلى أن قالت أم كلثوم: «سكت والدمع تكلم»، وبينهما ما لا يحصى من الشعر الحزين والدمع المنسكب. إن الشعراء كانوا كرجال الدين أعطوا عودا ذا أوتار فلم يغنوا كثيرا إلا على الوتر الحزين حتى كاد الشعر يغرق في بحر الدموع. الحب بكاء والرثاء بكاء. والمديح مذلة للنفس وهي بكاء، تبدى الشعراء فبكوا الأطلال، ثم تحضروا فبكوا الديار، وأحبوا فبكوا الحبيب، ثم شقوا فبكوا الشقاء، وتصوفوا فبكوا، ونقدوا المجتمع فبكوا، فماذا بعد هذا؟
أ :
فأين أنت من شعر عنترة وأمثاله الذي يفيض قوة وبطولة؟ وأين أنت من شعر أبى نواس الذي انغمس في متع الحياة إلى أذنيه؟ وأين أنت من شعر المتنبي الثائر القوي؟ وأين أنت من شعر البهاء زهير العاشق المرح؟ أمن العدل في الحكم أن تنظر إلى من بكى ولا تنظر إلى من ضحك، وتنظر إلى شعر الضعيف ولا تنظر إلى شعر القوي؟
د :
لم يغب عني ما ذكرت، ولكني لا أرى رأيك في أبي نواس؛ فإنه بكى على الخمر كما بكى غيره على الحبيب، ولا في المتنبي؛ فإن شعره قوي حقا ولكنها قوة الذي يضرب فيوجع، لا قوة الذي يحمس فيفتح الأمل. إن الشعر الذي أتمناه الشعر العربي شعر قوي فيه الشعور بالقومية وبالعزة وبالحياة وبالحرية، تستند فيه قوة الشاعر على صدق الشعور وحرارة القلب لا على الإسراف في الخيال ولا على الإمعان في ضروب البديع، وهذا القدر في شعر العربية قليل إذا قيس بالشعر الحزين. إن في بعض الشعر الغربي حزنا أيضا ودموعا هياما، ولكن هذا اعتدل واستوى بما كان بجانبه من شعر ضاحك قوي يفتح النفس ويبعث على الحياة، فكان النوعان ككفتي الميزان استوتا وتعادلتا. أما عندنا فكفة راجحة جدا، وكفة شائلة جدا.
والغناء عندنا أسوأ من الشعر؛ إن في الشعر ضروبا، ولكن الغناء ضرب واحد وهو الدموع المسفوحة، والكبد المجروحة، والقلب الذائب في الوصال والفراق، والقرب والبعد والرضا والصد، كأن لا حب إلا بدموع كالذي قال:
هل الحب إلا زفرة ثم عبرة
وحر على الأحشاء ليس له برد
وفيض دموع تستهل إذا بدا
لنا علم من أرضكم لم يكن يبدو
والموسيقى صدى للغناء، يبكي المغني فتبكي الموسيقى لبكائه، وأحب أدوار المغني إليه وإلى الناس ما أحزن، وكذلك الموسيقى، ومرحى لهما إذا أجريا دموع السامعين، واستخرجا من أعماق القلوب آهات المحبين!!
كل هذا في نظري سبب ما شاع في نفوس الشرقيين من الحزن، فكثير من الأمم مدينة بقوتها وعظمتها وتبسمها وإقبالها على الحياة للفنانين من شعراء وكتاب وموسيقيين ومغنين؛ فأصلحوا الفن يصلح الناس، وأضحكوا الفنانين تضحكوا السامعين.
وصمتنا لحظة، وإذا السماء لا تزال تسح، والسحاب لا يزال يدمع، فسألنا مضيفنا أن يستوقف لنا سيارة تحملنا.
ب :
ولكن أترى هذا سببا أم نتيجة؟ أبكى الشعب لما بكى الشعراء، أم بكى الشعراء لما بكى الشعب؟ إني أرى أن الفنانين إنما يطربون الشعوب؛ لأنهم غنوا لهم على مشاعرهم، ولو غنوا لهم غناء قويا ما أعجبهم.