تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ب :

فكرت في هذا كما فكرت، ولكن لم أجده سببا صالحا؛ ففي البلاد الشرقية ما يعتدل جوه وقد يكون أميل إلى البرودة في أكثر أيام السنة كسوريا ولبنان، ومع ذلك فالطبيعة الشرقية واحدة! ثم إنك نسبت الفرح إلى المدافئ والشرق فيه المدافئ الطبيعية الكافية، والحر يجري الدم والبرد يجمده، ألم تقرأ كلمة ابن خلدون في أن الإنسان إذا دخل الحمام كان أميل إلى الغناء؛ لأن حرارة الحمام تنشط دمه وتبسط نفسه؟! فهب أن الحر اشتد في جونا حتى كان كله حماما، أليس في هذا ما يدعو إلى جريان الدم وانبساط النفس؟ ثم لو كان ما تقوله صحيحا لكان «الترمومتر» مقياسا للفرح والحزن، كما أنه مقياس للحرارة والبرودة، وهذا ظاهر البطلان! قد يكون في بعض ما دل عليه كلامك - ولو لم توضحه كل الإيضاح - شيء من الصحة، وهو موقف المرأة في الغرب والشرق؛ فالمرأة في الغرب مبعث السرور والنشاط في المجتمعات وفي الحياة العامة، وفي باب الحب وفي باب العمل، وهي بلسم الهموم في الغرب وليست كذلك في الشرق؛ ولكن حتى هذا لا أراه كافيا.

أ :

عندي أن السبب في انتشار الحزن والتشاؤم يرجع إلى الحياة الاجتماعية ونظمها وتاريخها؛ فالشرق منذ مئات السنين رازح تحت أثقال ظلم الحكام، سلب ونهب واستئثار بطيبات العيش، وإسراف في الترف يقابله إغراق في فقر الشعب، وسطوة تقتل النفس وتحملها على المذلة والملق، ومناظر مخزية من ضياع عدل بالرشوة والمحاباة وتقديم غير الكفء وإهمال الكفء، وتسلط على الفلاحين والطبقات العاملة، وأخذ كسبهم لتزيين قصور أغنيائهم، وتركهم في بؤسهم لا يكادون يجدون ما يأكلون.

كل هذا ملأ النفوس أسى وأسفا، وتراكم عليها ذلك حتى أثقل كاهلها، وغضن جبينها وحير نظرتها، فإن ضحكت فمن فمها لا من قلبها، وإن تشاءمت فلما رأت من تتابع خيبة أملها. وكيف يفرح من في بيته مأتم، أو كيف يضحك من يشيع جنازة؟ - ليس العجب من حزنه وتشاؤمه، بل العجب من بقائه حيا إلى اليوم مع كثرة ما لاقى - إني لأعجب من ضحكاته القليلة، وأعجب من قوة احتماله لأثقاله!!

ودليلي على ما أقول أنه لما بدأت تتحسن حالة الشرق الاجتماعية قليلا بدأ يضحك قليلا قليلا، فإذا تم ما أمل انفجرت ضحكته عالية.

واكفهر الجو واحتجبت عين الشمس وأخذ السحاب ينذر بالمطر الغزير، فجددنا السير لنرى ملجأ نحتمي فيه، فلم نجد إلا «مخفر البوليس»، فاستضفناهم، فضيفونا، وانسجم الجو والمطر والرعد والبرق مع الموضوع - وأخرج كل منا ما يحمله من طعام بسيط، وبدأنا الأكل، ولكن كانت شهيتنا لإتمام الموضوع فوق شهيتنا للأكل.

قال الأول - وهو من بدأ الحديث -: ربما كان السبب عندي يرجع إلى الدين، وأرجو ألا يؤاخذني صديقي «أ» فقد عرفته دائما يتحمس للدين ويغضب للدين، ويرجع للدين في ماضيه وحاضره كل فضيلة، ولعدم التمسك به كل رذيلة، وأرجو أن يكتم غضبه حتى أتمم حديثي فقد يقتنع.

أرى أن الإسلام في أصله كان يعتمد على ركنين: الترغيب والترهيب، وكانا متوازيين متعادلين؛ الجنة تقابلها النار، والنعيم يقابله الجحيم، والتهديد بالعقوبة يقابله عدم التيئيس من رحمة الله، وهكذا؛ ولكن بعد القرن الأول علت نغمة التخويف وضؤلت بجانبها نغمة الأمل، وكان على رأس هؤلاء الحسن البصري، فملأوا أدب الدين بالنار والرعب منها، والخوف من الآخرة وشدتها، وما زالوا يفرطون في ذلك حتى انخلعت قلوب الناس وتولاها الهلع والجزع، فصاروا إذا ضحكوا استغفروا، وإذا استمتعوا ندموا. وكلما أتى جيل من العلماء زاد هذه النغمة علوا، فزادت القلوب يأسا، وساد الجو وجوم وشمله الخوف، وبدل أن يعمل العلماء بالحديث «بشروا ولا تنفروا»، عملوا بعكسه فنفروا ولم يبشروا - فلا عجب بعد هذا كله أن يحزن الناس ويتشاءموا وتعلوهم الكآبة. وكانت هذه النتيجة بعينها في الغرب في القرون الوسطى لما سادت سلطة رجال الدين، وكانت نغمتهم نغمة رجال الدين من المسلمين، فلما زالت العلة وأتت النهضة كانت الدعوة إلى تقدير الحياة الدنيا والاستمتاع بها، فكانت البهجة والسرور.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٣٢