تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا! لا! مزقوا الدعوة احتقارا، أو ردوا الرسول محملا ببعض الهدايا استخفافا.

وهكذا صدوا عن أسمى فكرة وهي التوحيد في العقيدة والعمل، ولصقوا بالتقاليد في العقيدة والعمل.

فلما لقي محمد ربه، نفذ بعض الخطة خلفاؤه. •••

أما بعد، فلا يصلح آخر الدين إلا بما صلح به أوله، كان التوحيد هو الأساس، ولا يزال هو الإصلاح. كل تعاليم الإسلام باقية ولكن فقدت روحها، واحتفظت بجسمها ولكن ضعفت حرارة قلبها، قد كانت عقيدة «لا إله إلا الله» تعني توحيد المعبود، فأصبحت الآلهة متعددة عملا، وإن توحد لفظ التوحيد لفظا؛ فالمال معبود، والسلطان معبود، والشهوة معبودة، والدنيا معبودة، فلا بد أن تكسر هذه الأصنام آخرا كما كسرت أولا. وكان هناك توحيد في العمل، فالقيادة واحدة، والنظام واحد، والرأي - بعد الشورى - واحد، فإذا كل رأس رأس قائد، وكل متكلم زعيم، وكل زعيم مستبد، وحب الشهوة يلعب، والأنانية تلعب، والدسائس للتفريق تلعب. وكان في الإسلام أخوة تبعث الحب، والحب يوثق الصلة، فإذا العداوة في كل جو ترضع مع اللبن، وتتنفس مع الهواء. ولم تكن هناك طبقات، فتعددت الطبقات من كل جنس، على أساس الدم والمال والمنصب والسياسة. وعلى الجملة، فكل دعوة إلى التوحيد تقابل بألف مشكلة من أنصار التعديد، وكل تعديد فرقة، وكل فرقة ضعف، وكل ضعيف عرضة لأن يلتهم، ولا عظة بالتاريخ، ولا عبرة من أحداث الزمان، فيا لله للمسلمين!!

| في الهواء الطلق

كان برنامجنا هذه المرة أن نتقابل صباحا في مصر الجديدة، ففعلنا، وسرنا في صحرائها الجميلة ننعم بالشمس الساطعة ودفئها، والهواء النقي ولطافته، والسكون الهادئ المريح للأعصاب. وما خلفنا المدينة وضوضاءها والناس وبلاياهم ومفاسدهم حتى تفتحت عندنا شهية الكلام.

قال أحدنا: لست أدري علة لهذه الظاهرة الغريبة عندي - كلما رأيت منظرا جميلا للطبيعة كغروب الشمس في البحر، أو جبل فخم ضخم، أو شمس ساطعة أو قمر منير، أحسست نوعا من الحزن، حزنا ليس كالحزن عند فقد عزيز أو نزول كارثة، ولكنه حزن غير أليم، حزن ممزوج بلذة، فأراني مطمئنا لحزني لا أرضى به بديلا سرورا خالصا ولا ضحكا صارخا.

أ :

سبب ذلك - على ما يظهر لي - أن هذه المناظر جمعت بين الجلال والجمال، والجلال يبعث في النفس شعورا بالضعة؛ إذ يقيس الإنسان نفسه بالطبيعة فيراه ضئيلا بجانب عظمتها، حقيرا بجانب فخامتها. والشعور بالضعة أليم؛ لأنه يشعر النفس بالذلة، وعزيز عليها أن تذل. وإلى جانب هذا شعور بجمال المنظر، والشعور بالجمال لذيذ؛ إذ يفتح النفس ويؤنسها، فتكون حركة النفس لهذه العوامل المختلفة حركة انقباض وانبساط، أو كما سميتها أنت لذة وألما.

ب :

ولكن أخبروني، أليس عجيبا أن المصريين والشرقيين على العموم أميل إلى الحزن والانقباض؟ وأن شعورهم بالألم وأسبابه أرق من شعورهم بالفرح وأسبابه؟ حتى صاحبنا هذا يأتي إلى المناظر الطبيعية الجميلة الباعثة على السرور والانشراح فيسودها بما عرض علينا من مشاعر وأفكار! لقد عشت في فرنسا عهدا طويلا - كما تعلمون - وكنت من أكثر زملائي المصريين فرحا وسرورا ونشاطا، ومع هذا وصفتني أكثر من سيدة بأني حزين متشائم منقبض، فإذا كنت أنا كذلك فكيف لو رأين غيري؟ إذا لوصفنه بأنه بكاء يذوب أسى وحسرة.

لقد فكرت في هذا الأمر كثيرا بعد أن تجلت لي هذه الحقيقة بالمقارنة الدقيقة بين الشبان المصريين في فرنسا والفرنسيين أنفسهم، وكذلك عندما أقمت في إنجلترا أشهرا وألمانيا أشهرا، ورأيت المصريين وغيرهم من هذه الأمم؛ وبحثت الأسباب فلم أهتد إلى علة جازمة.

ج :

ربما كان السبب الجو؛ فالشرقيون يعيشون غالبا في جو حار أو أقرب إلى الحرارة، والغربيون يعيشون في جو بارد أو أقرب إلى البرودة، والحر يسبب الكرب وانقباض الصدر، والبرد يدعو إلى الحركة، والحركة تجري الدم وتبعث على النشاط وتذهب السأم. أضف إلى ذلك أن الجو البارد عندهم يدعو إلى اجتماع الأسرة والأصدقاء في البيت رجالا ونساء، وإشعال النار في المدافئ والاجتماع حولها، وفي سكونهم إلى النار ومعهم المرأة بلطفها وبهجتها مبعث للأنس والسرور، وغذاء للنفوس تتغذى به طول اليوم حتى يتجدد المنظر.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٣١