تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الإسلام مرتبط بالطبيعة أشد ارتباط، ويذكرنا دائما بالنظر إليها والعبرة بها والاستدلال منها على خالقها؛ فيدعو إلى التفكير في السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، والأرض كيف سطحت، والسحاب المسخر بين السماء والأرض، والشمس والقمر يتعاقبان، والبحار والأنهار تجري بأمره، فماذا يحول بين الناس وبين خالقهم في كل بقعة من بقاع الأرض أن يفكروا، فيعبدوا الله وحده خالق هذا الكون ومبدعه! اقرءوا إن شئتم:

والشمس وضحاها * والقمر إذا تلاها * والنهار إذا جلاها * والليل إذا يغشاها .

ثم هذا الإسلام يؤمن بكل ما أتى به الأنبياء من قبل، من آدم إلى عيسى، ويعظمهم ويمجدهم، ويرى أنهم كمحمد، وأن الله الذي أرسله أرسلهم، وأن دعوته ودعوتهم واحدة، عمادها التوحيد وعدم الشرك، ومن آمن بدعوتهم صحيحة كان كمن آمن بدعوة محمد:

إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ،

إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون .

فالأساس واحد كما أن إله الجميع واحد، وما فرق بين الناس إلا الأغراض والشهوات، وحب الدنيا وحب الرياسة:

وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا .

فلم لا يزول هذا الخلاف في العقيدة، وتتحد عقيدتهم كما توحد خالقهم؟

هذا جانب العقيدة. أما الجانب العملي في الحياة فكذلك؛ أليس من الخير أن يسود الناس العدل فلا يكون ظلم، ويعلى شأن الفرد فلا تكون عبودية، وتكون الحكومة للفرد لا الفرد للحكومة، ويسوى بين الناس فلا يقوم الرجل إلا بعمله؟! فما بال من حول جزيرة العرب من فرس وروم وأحباش تسوء حالة رعاياهم؟ فغنى مفرط بجانب فقر مفرط، وإسراف حكام في الملاهي والملذات على حساب الشعوب، وطبقات عالية تستولي على الخيرات ولا تترك للطبقة الدنيا إلا الفتات.

ما بال العالم لا تتوحد قواعده الأساسية في الحكم كما تتوحد في العقيدة، فيكون عدل مطلق، وحرمة للرعية دقيقة، وأمن شامل، ونظام شامل، وأخوة شاملة، وإهدار للجنسية، فلا عرب ولا روم، ولا فرس ولا أحباش، ولكن خلق الله يتآخون أفرادا ويتآخون أمما، وتحل الإنسانية محل الجنسية، وعبادة الله الحق وحده محل الآلهة المصطنعة المتعددة، فيكون توحيد في العقيدة، وتوحيد في العمل، وتعاون في العالم؟!

على هذا الأساس أرسل محمد

صلى الله عليه وسلم

كتبه إلى ملوك العصر المجاورين للجزيرة: هرقل عظيم الروم في الشام، والمقوقس في مصر، وكسرى في فارس، والنجاشي في الحبشة، يدعوهم إلى التوحيد، فإذا توحدوا توحد العالم.

يقول في هذه الكتب التي أرسلها للنصارى منهم:

قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله .

ففي العقيدة الأولى الدعوة إلى الوحدانية، وفي الثانية: الأخوة وهدم الطبقات. ثم في كل الكتب يحمل الملوك تبعة الرعية، ففي استطاعتهم قبول الدعوة، وإذا رفضت فالإثم عليهم؛ لأنهم يبغون حظ أنفسهم؛ ففي كتابه إلى هرقل: «فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين».

1

وفي كتابه إلى المقوقس: «فإن توليت فعليك إثم القبط». وفي كتابه إلى كسرى: «فإن أبيت فإنما إثم المجوس عليك».

ولكن أنى يلبي هؤلاء الملوك الدعوة ومقياس الأشياء عندهم المظهر لا المخبر؟ فكيف يجرؤ عربي بدوي في الصحراء ملتف بإزاره أن يدعو من يغرق في الترف، وينعم في الحضارة، ويرفل في الدمقس وفي الحرير، ويسير في الجنود والبنود، ويرث الروم في مدينتهم، أو الفرس في عظمتهم وفخفختهم؟!

بل كيف يلبون الدعوة وهي تدعو إلى إزالة الفوارق ومساواة السيد بالعبد، والراعي بالرعية، والحاكم بالمحكوم، وتلغي الطبقات وهي عماد الدولة في نظامها وتشريعها وماليتها وكل شيء فيها؟!

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٣٠