تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليس هناك نظام للطبقات تؤسس على الغنى والفقر، ولا طبقات تؤسس على الفروق بين الحاكم والمحكوم، ولا طبقات تؤسس على الدم والحسب والنسب؛ بل كل يقوم بعمله و«رب أشعث أغير ذي طمرين تنبو عنه أعين الناس لو أقسم على الله لأبره».

وراء المادة روح، ووراء العمل قلب، ووراء الأعمال الظاهرة بواعث نفسية، وأمام كل مسلم غرض هو إعلاء الحق وكلمة الحق وتطهير النفس؛ وهذا الغرض الواحد أمام الجميع يوحد الأعمال وإن اختلفت مظاهرها.

ثم هذا هو الإسلام، وهذا هو محمد ينادي بالأخوة في العقيدة، ويعمل عليها وينشرها في جو الجزيرة العربية ؛ ليستنشقها كل مسلم «إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم - المسلم أخو المسلم - المسلمون إخوة لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى - المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس - المؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه». وهكذا. ومنذ أن ظهر الإسلام ومحمد يؤاخي بين الصحابة ويراعي في ذلك مزاج المتآخين، وهدم الفروق المالية والقبيلة. فهذا مكن لهم - في تعاطفهم وتوحدهم - أخوة بين الفرد والفرد، وبين القبيلة والقبيلة. وبين الفرد والحاكم، وبين الرجل والمرأة، حتى كادت الأخوة تكون شعار الدين.

ثم القرآن وحد اللغة كما وحد الدين، فضعفت اللهجات الأخرى غير لهجة قريش، وماجت الجزيرة العربية بأهلها في الحرب وفي السلم، وكثر تقابلهم وتحادثهم وامتزاجهم، وكثرت تلاوتهم للقرآن والحديث، فإذا اللغة متحدة أو متقاربة كالدين.

لقد تسلم «محمد» جزيرة العرب وهي «أقطاع» تقتطع كل قبيلة منها قطعة تستقل بها، وخلفها أمة واحدة في دينها وفي لغتها وفي غرضها، تخضع لنظام واحد وتشريع واحد، وليس هذا بالأمر اليسير؛ فتوحيد بلاد الفرس في أمة أو بلاد الرومان في أمة، أيسر ألف مرة من توحيد سكان جزيرة العرب في أمة؛ لبعد ما كان بين بعضهم وبعض في الأرض وفي النفس؛ ولأنهم لم يخضعوا لنظام سابق، ولم يمرنوا على الخضوع لحاكم ولا لإطاعة أحد غير شيخ القبيلة، وكل واحد منهم ملك في نفسه معتز بدمه وعصبيته ولغته وإلهه؛ فتوحيد أشتات كهؤلاء وجعلهم أمة فيها كل خصائص الأمة معجزة المعجزات. وصدق الله إذ يقول:

واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها .

وقد أعلن (محمد) في خطبته في حجة الوداع الأسس التي بنى عليها توحيد العقيدة، وتوحيد الجزيرة، وكيف وصل إلى الغرض، ففيها: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له». «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم». «فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها». «إنما المؤمنون إخوة، ولا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس منه». «إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم». «اتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيرا».

هذه هي وحدة العقيدة، وهذه هي الأخوة!! ثم أعلن هدم نظام الطبقات من أساسه؛ فلا ربا؛ لأنه يساعد على نظام طبقات من غني وفقير، ولا فخر بحسب؛ لأنه يعين على تأسيس طبقات على أساس الدم، فقال: «إن ربا الجاهلية موضوع، ولكن لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون». «وإن مآثر الجاهلية موضوعة، غير السدانة والسقاية».

ثم أشاد بهذا النظام الذي أسس على هذه المبادئ وأوجب التمسك به: «ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فقد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده». «إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه».

فالتوحيد أول كلمة في الإسلام وآخرها، وأول عمل من أعمال الرسول وآخره. •••

لقد رمى الإسلام أن يوحد العالم بعد أن وحد جزيرة العرب، وما الذي يمنع من ذلك؟ إن رب العرب رب العالمين، ورب السماء والأرض ورب الطبيعة كلها، فلو عبد الناس كلهم ربهم الحق لتوحدوا في العقيدة، وأصبح العالم وحدة، وما يمنع الناس أن يؤمنوا بهذه العقيدة إلا دين انحرف عن القصد، وربانيون تجار، وملوك يحتفظون بملكهم فيجارون شعور شعبهم وسلطة ربانييهم؟!

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٢٩