فأينما تولوا فثم وجه الله . إذا فالفروق بين القبائل لا معنى لها متى اتحد الغرض واستوت الأفراد، والأصنام التي تميز بين القبائل لا معنى لها لأنها آلهة باطلة، والاعتزاز بالحسب والنسب والقبيلة لا معنى له لأنه لا يدخل في ميزان الأعمال.
وطبيعي أن تحدث مثل هذه الدعوة اختلافا بينا بين مؤمن بالتعاليم الجديدة وكافر بها، ولكن مهما كان فقد نشأ تطور جديد حتى في الخلاف، فبعد أن كان الخلاف بين قبيلة وقبيلة أصبح الخلاف بين معتقدين في الدين الجيد، ومحافظين على الدين القديم، وهذه طائفة مهما تعددت قبائلها، وتلك طائفة مهما تعددت قبائلها. وأعلن رسول الله أن المؤمنين إخوة، وأن الكفر ملة واحدة، وكان لهذا الخلاف فضل، إذ جعل جزيرة العرب معسكرين اثنين بعد أن كانت المعسكرات بعدد القبائل.
وجدت في الدعوة الإسلامية نقطة ارتكاز، قوامها الرسول وطائفة معه قليل. عددها، قوي إيمانها، تدعو دعوتها في سلام، وكل وسائل إقناعها الحجة والبرهان. ماذا تغني اللات والعزى، وما يغني التكاثر بالمال والبنين، وما الفخر بالنسب إلى نحو ذلك؟!
ولكن القوم خرجوا من مقارعة الحجة بالحجة إلى مقارعة الحجة بالسيف، فالرسول يضطهد، والمؤمن يعذب، والدعوة تكبت.
فلا بد - إذا - من مقابلة القوة بالقوة، والسيف بالسيف، والحرب بالحرب فاتسعت الدائرة، وأصبحت العقيدة الجديدة تحميها القوة المادية بجانب القوة الروحية، ويتمثل جيشها في المهاجرين والأنصار، كما احتمت العقيدة القديمة بالقوة، وتمثل جيشها في صناديد قريش. ووجد مركزان للقوتين: «المدينة» للمسلمين، و«مكة» للكافرين.
إذا لا بد من الدعوة، ولا بد من القوة تحمي الدعوة.
وظلت القوتان تتقاتلان نحو عشر سنوات انجلت عن نصرة الإسلام، وتوحد جزيرة العرب تحت لوائه، تدين كلها بدين واحد، وتؤمن بعقيدة واحدة، وتخضع لنظام واحد، ويدوي في أرجائها كلها: لا إله إلا الله.
لم يكن السيف وحده هو القوة الفعالة؛ فقد كان سيف أعدائه أقوى من سيفه، ولا كانت القوة المادية وحدها هي العاملة في هذا التوحيد، وإنما كانت هناك خطة توضع بعيدة الغرض صحيحة القصد، تعين على الوصول إلى هذه النتيجة، فما هي؟
أول كل ذلك تعاليم الدين نفسه؛ فاتحاد الغرض، وهو إعلاء كلمة الله الذي يتمثل في اتحاد القبلة وتوجه المسلمين كلهم جهة واحدة، جعلهم قلبا واحدا، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، ثم ضم الآخرة إلى الدنيا في الحساب جعل الحياة رخيصة في سبيل المبدأ؛ فهو يجاهد بكل قلبه وبكل قوته، فإن عاش عاش سعيدا، وإن مات فهو أسعد.
فالتضحية العظيمة في النفس والمال اتحدت مع الأنانية في سعادة باذلها، فإذا دميت الإصبع قال قائلهم:
ما أنت إلا إصبع دميت
وفي سبيل الله ما لقيت
وإذا ذهب المال قال صاحبه: «إن المال عرض زائل».
وإذا أشرف على الموت في الجهاد تمثل بقول الشاعر:
لبث قليلا يلحق الهيجا حمل
لا بأس بالموت إذا الموت نزل
ثم قيادة حكيمة، حازمة رحيمة؛ لا تضحي جندها لخيرها، ولكن تضحي نفسها وجندها لعقيدتها؛ ولا تسخر جيوشها لتجلس على أكداس غنائمها، وإنما غنائم الجيش له وللمسلمين، وقائدهم أحدهم؛ ثم قوة في القيادة عظيمة، علمت عظمتها الجنود كيف يطيعون ولا يختلفون؛ فلكل مركزه كما رسمه القائد الأعلى، ولو كان عمر في جيش أسامة وكل يؤدي واجبه ولو أمر عليه عبد حبشي كأن رأسه زبيبة.
فاتحاد الغرض وحد القلوب، ووحد بين الرئيس والمرءوس، ووحد في التضحية بين القائد والجندي، فأصبحت جزيرة العرب وحدة واحدة؛ لأن كل شيء في إدارتها كان يرمي إلى التوحيد؛ الفرص متكافئة لكل رجل ولو كان من أوضع قبيلة؛ ليتفوق بحسن عمله. ومن بلال، ومن صهيب، ومن سلمان الفارسي، لولا تعاليم الإسلام بإهدار الدم والجنس والقبيلة، والمناداة بأن أكرمكم عند الله أتقاكم؟!