الإنسان هو القلب، والقلب هو الإنسان، والحي حي القلب، والميت ميت القلب. لا يعبأ القلب الروحي بالزمان والمكان كما تعبأ الأجسام؛ فالتحام الأجسام لا يكون صداقة، واقتراب الأبدان قد يكون مع العداء والخصام، ولكن قلبا يتصل بقلب يولد الصداقة مهما تباعد الزمان والمكان!!
وإنه على صغره ليسع العالم على كبره، إنه ليسع السماء والأرض، والبر والبحر، ينبض بجمالها، ويتناغم بنغماتها، ويخفق لها، ويحيا بسكناها، وبمقدار سعته وضيقه يوزن الإنسان.
صدقت العرب إذ سمته قلبا، واشتقت منه التقلب، فهو دائم التغير، يضيق ويتسع ويرقى ويسفل ويموت ويحيا، ويشتت ثم يجتمع، ويلتئم بعد أن ينصدع، ويضيء ثم يظلم، ويظلم ثم يضيء، ويكون مرة جنة ومرة نارا، ومرة أرضا ومرة سماء.
يا للقلب!! إن الناس ليرحلون ليروا العجائب وبين جنوبهم قلوب هي أعجب العجب. فلو سئلت عن أعجب شيء في السماء والأرض لقلت: القلب، ولو قيل للأنبياء: لا تذكروا القلب في تعاليمكم، وللشعراء لا تترنموا بالقلب في شعركم، وللفنانين لا تعرضوا للقلب في فنكم، وللموسيقيين لا تتناغموا مع القلب في موسيقاكم، لم يقولوا شيئا ولم يفعلوا شيئا!
ثم للأمة قلب مشترك، وهو - كقلب الفرد - يقوى ويضعف، ويموت ويحيا، وينبض ويخمد، وينقلب من حال إلى حال؛ يحيا فتحيا الأمة، ويموت فتموت. هو قلب موحد من قلوب الحكومة والموظفين والعمال، وله شرايين تصل إلى كل فرد فتنبض بنبضه، وينبض بنبضها، وهو يتغذى بالحب؛ لأنه وحده هو الذي يعلمه التضحية، ولا حياة لأمة بدون تضحية.
إن المحب الذي يحبك لتحبه تاجر، والذي يحبك لتكافئه مالي، وإنما المحب من يحبك لأنك أنت أنت. فإذا أحب قلب الأمة ضحى وكد وعمل، ولم ينتظر ربحا، فإذا الأمة تدب فيها الحياة.
إن الحب في قلب الأمة رحمة للضعيف، وعطف من الغني على الفقير، وتعليم للجاهل، وتعفف عن المال إلا بحقه، وذود عن الوطن، وتقدير للكفاية، وإعلاء لشأن العدل، ومقت للظلم، وهو نبل الحاكم، وشرف الموظف، وجد العامل، والغيرة من الجميع على سمعة البلاد.
إن أردت الحكم على أمة فاستمع لنبض قلبها.
| محمد والتوحيد
إن أردنا أن نلخص الإسلام في كلمة قلنا: «التوحيد»؟
وإن أردنا أن نوجز عمل النبي
صلى الله عليه وسلم
من بدء مبعثه إلى يوم وفاته، قلنا: «العمل على التوحيد».
وإن أردنا وصف الناس عند دعوته، ووصفهم عندما أسلم روحه لخالقها، قلنا: إنه تعدد وتفرق لا حد له، أخذ يزول شيئا فشيئا، ويتجمع شيئا فشيئا، حتى حل التوحيد محل التعدد.
هذه هي العرب في جزيرتها يوم تسلمها محمد، قبائل متعددة لا تربطها رابطة، لكل قبيلة لغتها، ولكل قبيلة صنمها، ولكل قبيلة مكانها ومرعاها، وشيخها وتقاليدها؛ إن عرفت قبيلة قبيلة أخرى، فإنما تعرفها يوم تغير عليها، ثم يكون الحرب والقتال والأخذ بالثأر، وكف المغلوب على مضض، وكف الغالب حتى يستعد للوثبة، وهكذا. غرض الفرد في الحياة أن يأكل ما يجد، وينهب إذا لم يجد، ويقاتل مع أفراد القبيلة إذا قاتلت؛ وغرض شيخ القبيلة أن ينعم بطيبات المغانم ويرأسها في القتال، وغرض القبيلة أن تستعد للوثبة يوم تغير، وللدفاع يوم يغار عليها!! وهذا ملخص حياتها.
فماذا فعل الإسلام لتوحيد الكلمة، وماذا فعل محمد؟
أسس الإسلام عقيدة عامة يجب أن يعتنقها كل مسلم، فليس الإله إله قبيلة، ولكنه رب العالمين؛ وليس الفخر بالقبيلة ولا بالأنساب ولا بالمال والبنين، ولكن بالعمل الصالح، والعمل الصالح هو ما يحسن العلاقة بين الإنسان وربه، والإنسان والإنسان، وكل إنسان مسئول عن عمله:
فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره . الغني والفقير سواء والقرشي والباهلي سواء، وبنت محمد وبنت غيره سواء، والرجل والمرأة سواء، لا يعبأ الله بقبيلة ولا يعبأ بنسب - لا لات ولا عزى، ولا قرابين ولا أوثان؛ ولكن لا إله إلا الله، هو الخالق وهو المحاسب، وهو الغرض: