تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يصح أن نعرفه بأنه مركز العواطف - من حب وكره وإعجاب وازدراء وميل ونفور ورحمة وقسوة ... إلخ. وبعبارة أخرى «هو مجتمع العلاقات»؛ فكما أنه - ماديا - مركز الشرايين التي توزع الدم على كل أجزاء الجسم، كذلك هو مركز الصلات بين الفرد وغيره، وكما أنه مركز للدم الفاسد ينصلح فيه، وللدم الصالح يوزعه، كذلك هو مركز للعواطف المختلفة يوحدها - وهو أيضا نقطة الاتصال بين العالمين اللذين يعيش فيهما الإنسان: عالم المادة وعالم الروح، فهو الجسر الذي يعبر عليه أحدهما إلى الآخر. لك أن تسمي هذا شعرا أو خيالا، ولكنه هو الحقيقة - وعلى قدر هذه العلاقات - التي بين الإنسان والأشياء كمية وكيفية والتي مركزها القلب - تكون قيمة الإنسان وقيمة حياته.

والغذاء الصالح لقلبنا هذا الروحي هو الحب، والحب الذي نقصده هو الحب بأوسع معانيه، حب الجمال الخلقي، والجمال الطبيعي، والجمال الفني، وحب المعاني من نبل وسمو، وأخوة وإنسانية، وشأنه في ذلك شأن الطفل يغذى الغذاء الصالح لجسمه فينمو ويحيا، والغذاء الفاسد فيضعف وقد يموت.

فالقلب الكبير في الشخص الكبير هو الذي غزي بالحب حتى نضج، ومن أجل هذا كان القلب عماد الدين؛ لأن الدين ليس إلا حبا، وعماد الغزل، وهو الحب؛ وعماد الرحمة لأنها حب الضعيف، وعماد الوطنية؛ لأنها من حب الأمة، وعماد الإنسانية؛ لأنها حب الإنسان مجردا عن جنسه ودمه وقوميته. وهناك قلوب تتغذى بجب المنصب والجاه والمال والشهرة، ولكنها كلها غذاء لا يوافق عناصر القلب. الأساسية، غذاء تنقصه الفيتامينات الضرورية، فقد يكبر بها القلب، ولكنها ضخامة ورم، أو طبل أجوف، أو تمثال لقلب.

والقلب عضو الرغبة، الرغبة في الحياة ووسائلها، هو - دائما- ينادي: «أرغب» «أريد». ولكن القلوب تختلف قيمتها الروحية بحسب رغباتها؛ فقلب كقلب الطفل يرغب أن تكون كل الدنيا له، علاقته علاقة المالك بما ملك. وقد يكبر الرجل جسما وتكبر مادة قلبه، ولكن لا تكبر روحانية هذا القلب، فيكون أنانيا، يريد أن يسخر كل شيء لنفسه، أو يستبد بكل شيء لشخصه، أو يوجه كل شيء لفائدته! ولكن إذا كبرت روحانية القلب تعددت خيوط علاقاته، وعرف ما تستوجبه كل علاقة؛ علاقته بالأصدقاء، وبالبؤساء، وبالأمة، وبالإنسانية؛ فإذا قال قلبه: «أنا أريد»، فإنما يريد أن تكون هذه العلاقات المتعددة على أحسن وجه يوحي به الحب.

إن القلب المادي يغذي ويتغذى، ويأخذ ويعطي، ويضحي لنفسه ولجسمه، وإذا فتر لحظة فترت الحياة، وإذا سكن لحظة سكنت الحياة، وهو ينشر نفوذه، ويقدم خدماته للقريب من أجزاء الجسم والبعيد، للمعدة على قوتها، وللشعرة على ضعفها؛ فالقلب الروحي لا يصح حتى يكون كذلك، فإذا قال: أنا أرغب فإنما يرغب للعالم ولنفسه، وهو شديد الاتصال بما حوله ومن حوله؛ اتصال انتفاع ونفع، واتصال استفادة للإفادة، دائب لا يمل، عامل لا يفتر حتى تفتر الحياة، ينبض بالحياة كلها كما ينبض قلبه المادي بالجسم كله، يتناغم مع العالم حوله كما يتناغم قلبه المادي مع جسمه، من قدمه إلى فرقه، فإذا تمنى لنفسه فقط فالنزاع الأخير.

لقد ألف القلب المادي الجسم كله، ووحده بنبضاته، فليوحد القلب الروحي كله في خلجاته وتموجاته؛ وقد مد القلب المادي شرايينه إلى الجسم كله، فإذا انسد شريان مات عضو، فليس من المعقول ألا يكون للقلب الروحي إلا شريان واحد يجري فيه الدم لشخصه، للقلب الروحي عين يبصر بها؛ لأنه مركز الضوء في الحياة، يرى الجمال والقبح، والفضيلة والرذيلة، والخير والشر، وفي أعماقه مصباح يضيء، ولكن لا بد أن يتعهد بالزيت وبالشعلة تضيئه وإلا انطفأ. وللقلوب عمى كعمى العيون، وصدق الله العظيم:

فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور .

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٢٦