ووقع في يدي - خطأ - كتاب في «الطبيعة»، فرأيت في آخره تعليقا واحدا، وهو أن «هذا علم صحيح بالنسبة لزمنه وستكشف الأيام خطأه».
وأسرعت فاشتقت إلى الوضع الثالث من المنظار، وهو الوضع الذي يريني الدنيا على حقيقتها، واستحسنت أن أرى هذا المنظر فوق سطح بيتي، فصعدت والقمر ساطع، والجو ساكن، والدنيا نائمة، فحركت المسمار، فإذا السقف يرتج من تحتي، ودخان كثيف يملأ الأفق، والجو ينذر بحادث فظيع أنا مقدم عليه، فلم أتمالك نفسي وارتجف قلبي، ولم أشجع على مواجهة ما سيكون، فقلبت المنظار، ونزلت من السطح سريعا، وأحضرت المصباح وحككته، فظهر العفريت. فقال: لبيك!
فقلت: خذ هذا المنظار واكسره، فخير لي أن أعيش مغفلا جاهلا في وسط مغفلين جاهلين، وفي كتب مغفلة جاهلة، من أن أعيش عاقلا في وسط كل هذه الغفلة والجهالة.
تبسم العفريت، وقال: أتذكر بسمتي يوم طلبت طلبتك؟
قلت: نعم.
قال: هذا ما كنت أتوقع، وهذا سر ابتسامتي، لخير لك أن تطلب مني ما كان يطلبه الناس من أن تتفلسف في الطلب، وتتسامى في الغرض.
أأحضر لك كنزا من الذهب؟
قلت: لا.
قال: فأحجارا كريمة؟
قلت: لا.
قال: فزوجة شابة جميلة؟
قلت: اخفض صوتك، لا.
قال: فجاها عريضا؟
فغضبت من كثرة العرض وكثرة الرفض.
وصرخت فيه: لا لا لا بأعلى صوتي.
فانتبهت من النوم وأنا أقول: لا.
وحزنت على الرفض، فأغمضت عيني وقلت: «طيب هات»، ولكن الأمر كان قد فات.
فقمت آسفا، وأنفي يعطس، ورئتي تسعل، وجسمي مهدم من سوء ما لاقيت من الأرق، والزكام، والأحلام؛ وقد نذرت إن عثرت على مصباح علاء الدين مرة أخرى لأطلبن ما يطلب الناس.
وأدرت التليفون لأطلب صديقا لي متخصصا في تفسير الأحلام على مذهب «فرويد» فلم أجده، فقلت: «بركة يا جامع».
| القلب
خطر لي أن أكتب في القلب، فمددت يدي إلى «دائرة المعارف البريطانية» وطالعت فيها مادة القلب، فرأيت فيضا من الكلام في القلب وشكله، وكيفية بنائه الفسيولوجي وأجزائه، ووظيفة كل جزء، وحالته في الجنين وتطوره، ومقارنة القلوب في الحيوانات المختلفة، ثم ما يعتريها من أمراض ... إلخ. ثم قلت: لا يغنيني هذا شيئا فيما أريد، فللأعضاء وظائف روحية غير الوظائف المادية؛ فإذا أردت البحث عن فصاحة اللسان أو ذكاء العقل أو طهارة القلب فلست واجدا شيئا من ذلك في كتب المادة - كتب وظائف الأعضاء - إنما تجدها في كتب المعاني والروحانيات؛ وهذه أيضا قلما تعنى بتشريح العضو من ناحيته الروحية كما عنيت كتب الفسيولوجيا بتشريحه من الناحية المادية؛ لأن أمور الروح أعقد وأدق وأعسر.
وقد نالت بعض أعضاء الجسم حظا أوفى من غيرها في مجال الروح؛ فالشعر العربي - مثلا - مملوء بالكبد في باب الحب والألم من الهجر والفراق وما إلى ذلك، كالذي يقول:
أيا كبدا كادت عيشة «غرب»
1
من الشوق إثر الظاعنين تصدع
ولكن لم ينل شيء منها - من التقدير والشهرة والجريان على الألسنة وكثرة ما نسب إليه في باب الدين والخلق والشعر والحب - ما نال القلب - ففي القرآن الكريم تردد القلب والفؤاد أكثر مما تردد العقل، ولا تكاد تقرأ مقطوعة صوفية أو أبياتا غزلية إلا يطالعك القلب. وفي الأخلاق ربطت الشجاعة والجبن بالقلب، فقالوا في الشجاع: ثبت الجنان، جميع الفؤاد، رابط الجأش، قوي القلب، وقالوا في الجبان: إنه مخلوع القلب، مهزوم الفؤاد. وباب الرحمة والقسوة يدور على القلب، فيقولون: منظر تتوجع له القلوب، وينفطر له القلب رحمة، وحالة تلين له القلوب القاسية، ويتصدع لها فؤاد الجلمود. وفي عكس ذلك يقولون: إن له قلبا لا يعرف اللين ولا تلجه رحمة، وإن له قلبا أقسى من الحديد وأصلب من الجلمود. ويقولون للرجل العظيم: كبير القلب، وللرجل النذل: صغير القلب ... إلخ. ولو أنك شرحت القلب فسيولوجيا لم تجد فيه ما يدل على شجاعة وجبن، ولا على رقة وقسوة، بل قد تجد قلب الجبال أحيانا أصح ماديا من قلب الشجاع؛ ذلك لأنهم يقصدون بقولهم ووصفهم القلب الروحي لا القلب المادي. فما هو هذا القلب الروحي؟