غابت عن نفسي كل أمانيها الطيبة، ورأيتني أقول في سخافة: أريد أن أعرف الناس على حقيقتهم، والتاريخ على حقيقته، والدنيا على حقيقتها.
رأيته يبتسم من قولي، فسري عني، وقال: إن هذا أول مطلب من نوعه سمعته منذ خلقت في عهد سليمان - صلوات الله عليه -، وفي كل تاريخي إنما استحضرت لآتي بمال كثير، أو جوهر كريم، أو امرأة جميلة أو عرش عظيم، أو التنكيل بعدو: من إغراق في البحر، أو رمي من شاهق جبل، وذلك مما سهل علي، ومرنت عليه؛ فأما مطلبك فيحتاج إلى إعمال فكر في الوسائل، واتخاذ العدة للوصول إلى الغرض.
ثم غاب عني ساعة أطول مما حكته قصة «ألف ليلة» في عودته في مثل لمح البصر، وعاد ومعه منظار عجيب فيه مسمار علمني تحريكه ليكون من المنظار ثلاثة أوضاع: وضع إذا أردت أن أعرف الناس، ووضع إذا أردت أن أعرف التاريخ، ووضع إذا أردت أن أعرف الدنيا، ثم اختفى.
وضعته على عيني، وخرجت لأعرف الناس، فرأيت عجبا، رأيت على صدر كل شخص بطاقة تظهر حقيقته وتبين قيمته. راعني أني رأيت أغلب من لاقيت درجات تبين وزنه، أكثرها تحت الصفر بعشر ومائة ومائتين، وألف وألفين، وقل منهم جدا من هو فوق الصفر، ورأيت وجيها كبيرا خير منه كناس، وعظيما خطيرا يفوقه بمراحل ساعي بريد، ومن أعرف أنه وطني كبير كتب في بطاقته أنه خائن، وخائن كبير كتب في بطاقته أنه وطني كبير، وعالم عظيم لقب بمغفل، وأمي حقير لقب بحكيم، ومجنون بعاقل، وعاقل بمجنون، وغني له الثروة العريضة والمال الوفير والأرض والعمارات والأوراق المالية بالألوف والمئات كتب في صحيفته أنه فقير، وفقير لا يملك إلا قوت يومه كتب عنه أنه غني كبير، وشريفة عالية المقام نبزت بالفجور، ومتزينة متبرجة وصفت بالعفاف.
وعلى الجملة فقد رأيت الأوضاع انقلبت، والقيم انعكست؛ فالصديق عدو والعدو صديق، والأول آخر والآخر أول، ومن كانت يده تقبل تستحق القطع، ومن كان ينبذ ويمتهن يستحق التكريم والتقديم.
ودخلت حفلا رتبت صفوفه ومقاعده حسب المقام والطبقات، والوظائف الحكومية والدرجات المالية، والمنزلة في الهيئة الاجتماعية، فتصفحت صحائفهم المثبتة في صدروهم، فرأيت فيمن جلس في الصدر من يستحق أعلى المسرح، ومن جلس في أعلى المسرح من يستحق الصدر؛ وعجبت إذ رأيت قادما كتب في صحيفته ألف تحت الصفر، قد استقبله المستقبلون من خارج الباب واحتفوا به أشد احتفاء، وأجلسوه في أعظم مكان، ومن كتب في صحيفته أنه ألف فوق الصفر لم يؤبه له، وحاول أن يدخل فلم يستطع من الزحام فعاد من حيث أتى، وذكرت الحديث: «رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره»، فقلت: لا بد أن يكون صاحب الحديث قد قاله وهو لابس هذا المنظار.
وهاجت عواطفي فرأيتني أصفع وجيها، وأعانق فلاحا، وأعرض عن باشا، وأقبل على مسكين، وأحيي عاملا، ولا أرد تحية كبير، وأتصدق على غني، وأتحرج من الصدقة على فقير، وأهزأ بكلام عالم، وأصغي إلى كلام جاهل. ومن أغرب ما رأيت وأنا أسير في الشارع سيارة فخمة يركبها سائق قد كسي أحسن ثياب، وصاحب السيارة في داخلها عريان، ومررت على بنك فشممت منه رائحة كريهة، وعلى مصنع فشممت رائحة ذكية، ورأيت سيدة رزينة محتشمة في ملبسها، جادة في مشيتها، فقرأت صحيفتها. فكدت أرجمها، ورأيت خادمتها التي تسير خلفها لها قيمة كبيرة، فقدمت لها وردة جميلة اختطفتها من صدر شاب لا يستحقها. وعلى الجملة رأيتني آتي بأفعال حسبما أقرأ من القيم، أقل فعل منها يقتضيني أن أكون في مستشفى المجاذيب.
فأسرعت في العودة إلى بيتي.
ودخلت مكتبي، وغيرت وضع المنظار لأرى التاريخ، وعمدت إلى كتابي المسعودي وابن الأثير أفتحهما، وأقلب صحفهما فأدهشني ما رأيت؛ رأيت أن كثيرا من الصفحات قد شطب وكتب عليه بالخط الأحمر «كذب»، وأحيانا أرى صفحات قد محي سوادها، وكتب في بياضها أنها لا تستحق الذكر، وأحيانا أرى قائدا كبيرا أو ملكا عظيما قد أعلم عليه وكتب مكانه تاريخ جندي مجهول أو رجل مغمور، وكتب في آخره أنه أولى بالذكر. ورأيت في أول تاريخ كل قرن صفحات بيضاء كتب في أولها بالأحمر عنوان كبير: «الشعب في هذا العصر»، ثم لم يكتب شيء - وأحيانا تفصيلات كثيرة علق عليها بأن من غفلة المؤلف أنه ذكر المسببات وأهمل الأسباب، وكان في ذكرها الكفاية.