تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم قاد الحركة السياسية الإسلامية في الهند، ودافع عنها ولقي في ذلك عناء شديدا، وكان في كثير من الأحيان يضطهد من المحافظين الإنجليز، وإن كان يشجع من أحرارهم، ويكره من الهندوكيين لاصطدامه معهم في إصلاح المسلمين، ويخاصم من كثير من المسلمين أنفسهم لأنه متزوج إنجليزية، ويتبع النمط الإنجليزي في معيشته الخاصة.

ومع هذا سار في طريقه في الإصلاح والعمل، يؤلف الجمعيات المختلفة لذلك، ويقول في بعضها: «إن غرضه ترقية الشعور الطيب بين الهنود على اختلاف طبقاتهم وعقائدهم، وفي الوقت عينه حماية مصالح المسلمين، وتبصيرهم السياسي بشؤونهم».

هذه هي الدعوة التي كان يدعو إليها دائما، يسالم الهندوكيين والإنجليز ما سالموه وما حفظوا حقوق المسلمين، فإذا تعدى أحد عليهم دافع في شدة وإخلاص، فهو يقول في إحدى خطبه: «إن المسلمين في الهند لهم حقوق سياسية واضحة أمام الحكومة وأمام الهندوكيين، فما لم تجب هذه المطالب أخشى أن تنقلب مطالبهم إلى عصبية حادة، إن مطالبهم حقة، وهم لا يطلبون غير ما فيه العدالة، إنهم يطالبون بتمثيلهم السياسي تمثيلا يتفق وعددهم وأهميتهم وتاريخهم، تمثيلا عادلا مؤديا لتمثيل الأكفاء. إن المسلمين يأبون أن يمتاز عليهم الهندوكيون في أي حق من الحقوق السياسية، فإذا سوى بين الجميع فالمسلمون يرحبون بالإصلاح».

واستعمل نفوذه وقلمه ولسانه في إنهاض المسلمين لإدراكهم حقوقهم والمطالبة بها، سواء منهم من كان في الهند، ومن كان في إنجلترا - هذا من جهة - ومن جهة أخرى منازلته من أراد انتقاص حق المسلمين؛ وكتاباته الكثيرة القوية لساسة الإنجليز في الهند، وكبار ساستهم في إنجلترا، ورده على الجرائد الإنجليزية كالتيمس وجازيت وغيرهما. واستمر في ذلك في صراحة وجرأة حتى أبلغ يوما على لسان صديق له «أن حكومة الهند فقدت ثقتها به».

ونشطت سياسته أيضا في مناصرة الدولة العثمانية بعد خروجها من الحرب الماضية مهزومة، فطالب بالإبقاء على كيانها، وحرك الرأي العام المسلم في الهند لعطفهم عليها وتأييدهم لهم، وكتب في ذلك وخطب؛ وله موقف لاذع في جمعية من الجمعيات، إذ اقترح خطيب أن تكون الآستانة مدينة حرة، وتكون مركزا لعصبة الأمم، فرد عليه في بديهة حاضرة بقوله: إن فلسطين أولى بذلك، لأنها «مدينة السلام في الأرض» والدعوة إلى الخير العام للناس منذ نحو ألفي عام.

وإلى جانب حياته العلمية والسياسية النشيطة كان نشاطه في إصلاح الحياة الاجتماعية لمسلمي الهند، وأهم ما التفت إليه من الإصلاح ودعوته لإصلاح الأوقاف في الهند من مطالبته بالاستيلاء عليها من الحكومة، وإصلاح وجوه الصرف فيها وتنظيمها، وقد لاقى في ذلك عناء شديدا؛ ثم دعوته إلى إصلاح المرأة وتعليمها؛ وقد رأس المؤتمر الإسلامي الذي أسسه السيد أحمد خان في بعض السنين بعد وفاة السيد أحمد، وكان مما دعا إليه فيه هاتين الدعوتين، قال في مؤتمر سنة 1900: «إن بالأوقاف وخيراتها انتشرت العلوم، وتقدمت المعارف، وأدت وظيفة نافعة في جميع الأقطار الإسلامية، وكان لها نفع عظيم في البلاد الهندية، ولكن تغيرت الأحوال وخرجت أوقاف كثيرة من يد المسلمين إلى أيدي الغير، وتلاعبت بها الأيدي ... ولهذا أدعو المسلمين إلى السعي في هذا الموضوع، طالبا من الحكومة أن تعني بمسألة الأوقاف وإحاطتها بما يحفظها، فهي فخر المسلمين وحصنهم الحصين تجاه الفقر والأيام العسيرة الخ.

وقال عن المرأة: «لقد أتى على المسلمين زمن كان النساء فيه يلقبن بأمهات الرجال»، فهل يمكننا الآن أن ننعتهن بهذه الصفة؟ كلا إنهن آلة في أيدي الرجال يوجهونهن كيف شاءوا - وإذا كنا نريد أن نرتفع في سلم المدنية والارتقاء، وأردنا أن يحترمنا الناس، فلا بد لنا من تربية بناتنا حتى يصلن إلى أن يكن «أمهات رجال» - إني أعتقد أن تربية البنات يجب أن تسير جنبا إلى جنب مع تربية البنين، لأننا إذا أهملنا النصف المكون لحياتنا الاجتماعية ساءت النتيجة؛ إذ ينفر الجزء المتعلم من الجزء الجاهل، ويبعد عن مصاحبته ومعاشرته ما استطاع، ويحاول أن يسير في تيار لا يرضي الشرف، أو ينحط بفكره ليعاشر ذلك الشريك المنحط في حياته.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٢١