تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما «السيد أمير علي» فمصلح عملي من جنس «السيد أحمد»، بل ربما كان أكثر منه تقديرا للحياة الواقعية ومواجهتها.

لقد قابل «السيد أحمد» في إنجلترا، ثم قابله في الهند، وطالما تجادلا لاختلاف وجهة نظرهما في إصلاح مسلمي الهند، فالسيد أحمد يرى أن الإصلاح وسيلته التربية والتعليم فقط من غير انغماس في أية ناحية من النواحي السياسية؛ والسيد أمير علي يرى أن التربية وسيلة صحيحة، ولكن لا بد بجانبها من علاج الشؤون السياسية للمسلمين في الهند، ووضع خطة لها إزاء خطة الهندوكيين، وإلا ضاع المسلمون بجانب الهندوكيين؛ لا بد من وضع غرض سياسي وتنظيم خطة وتحديد مطالب ورسم طرق السير، والسيد أحمد يأبى ذلك ويقول لا شيء إلا التربية. ولهذا سار كل منهما على مبدئه، فالسيد أمير علي يؤسس سنة 1878 «الجمعية الوطنية الإسلامية» للدفاع عن حقوق المسلمين وتحديد الوضع السياسي لهم، ويدعو «السيد أحمد» للعمل معه فيأبى.

وأخيرا جدا، وفي آخر حياة «السيد أحمد» يؤمن بصحة نظرية السيد أمير علي، بفضل حوادث الهندوكيين، فيؤسس «جمعية الدفاع الإسلامية».

يمتاز «السيد أمير علي» بثقافته الغربية والشرقية الواسعة، فقد تعلم العربية والفارسية، ثم اتصل في شبابه بأدباء الإنجليز في الهند، فدرس الآداب الإنجليزية دراسة عميقة. لقد قرأ بإمعان أكثر روايات شكسبير، والفردوس المفقودة لملتن، وحفظ «شيلي»، وقرأ لكيتس، وبيرون، ومور، وكل روايات ولتر سكوت، وكتاب جيبون في أسباب سقوط الدولة الرومانية إلى غير ذلك.

هذا إلى دراسته القانونية، وحصوله على درجة جامعية فيها من الهند قبل سفره إلى إنجلترا، ثم ذهابه إلى إنجلترا عضو بعثة، وثقافته الواسعة فيها، ودراسته الأدبية والتاريخية لتغذية نفسه؛ ثم كان له من بروز شخصيته، ونبالة نفسه، واعتداده بأنه شريف النسب تنتمي أسرته إلى النبي العربي، ما جعله يظهر في الأوساط الإنجليزية، ويؤكد صلات الصداقة بينه وبينهم ويتعرف الحياة الاجتماعية الإنجليزية أدق معرفة.

كل هذا مكن له في شق طريقه إلى الإصلاح.

وكان حسن استعداده الأدبي، ودراسته الآداب الإنجليزية في سعة وعمق، مما مكن له في السيطرة على أسلوب إنجليزي أدبي ممتاز، استخدمه في نشر كتبه الإسلامية المملوءة حماسة وغيرة على الإسلام.

ففي أواخر سنى دراسته في إنجلترا أصدر كتابا عن «محمد وتعاليمه» كان له صدى بعيد في الأوساط الأوروبية والهندية. وقد قال عنه المستشرق أسبورن

Osborn : «إن هذا الكتاب يستحق الإعجاب حقا؛ وقد كتب بأسلوب يدل على ملك كاتبه لناصية اللغة الإنجليزية، أسلوب قل من يستطع أن يجاريه من الإنجليز المثقفين، أسلوب خلا من العيوب التي وقع فيها مثقفو الهنود ... ويجب أن يهنأ مسلمو الهند على أن يكون منهم من بلغ هذه الدرجة، ومن المستحيل على من فاتحة أعماله هذا الكتاب ألا يكون له في مستقبله أثر فعال عميق في قومه، أما موضوع الكتاب فإننا نخالفه في كثير من مسائله. وسنعرض وجهة نظرنا ووجه خلافنا فيما بعد».

واستعمل قلمه البليغ هذا في كتابيه الكبيرين «مختصر تاريخ العرب» و«روح الإسلام»، ففي الأول لخص تاريخ المسلمين، وعنى بوصف حالتهم الاجتماعية في أسلوب سهل جذاب؛ وفي الثاني عني بوصف الدين الإسلامي، عن الإسلام، وقد أفرغ فيها - كما قال المؤلف - قلبه.

ثم كتبه المختصرة في الدعوة إلى الإسلام.

ونشر هذه الكتب بالإنجليزية البليغة كان له أثر كبير لم يسبق إليه، وهو تعريف الأوروبيين بالإسلام ومحاسنه من مسلم متحمس، إذ لم يكونوا يسمعون عن الإسلام إلا من مستشرقين.

ولما عاد إلى الهند خدم القضاء بمنصبه وتأليفه في القانون الإسلامي، وخاصة في الأحوال الشخصية، مستعملا فيها مرونته العقلية، متأثرا بمدرسته من أن له ولأمثاله الحق في الاجتهاد في الأحكام.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٢٠