تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بقى القياس وهو في الحقيقة ليس منبعا مستقلا لاعتماده على الكتاب والسنة والإجماع، وقد أبنا رأينا فيما يعتمد عليه القياس، فكيف يقال إن أحكامه غير قابلة للتغير؟!

ومع هذا فما وصل إليه علماء الفقه الإسلامي وواجهوا به تقدم الزمان يستدعي الإعجاب، وبعضه صالح إلى الآن، وبعضه يحتاج إلى إعادة النظر فيه وتعديله كبعض مسائل الزواج والطلاق، كما تحتاج المسائل الاجتماعية والسياسية والقانونية إلى نظرة جديدة تتفق وتطور الزمن وتغير الظروف، ويقوم بها المتأهلون للاجتهاد بجودة ثقافتهم وصحة نظرهم ومعرفتهم بزمانهم.

وليس في تعاليم القرآن ومبادئ الرسول

صلى الله عليه وسلم

ما يمنع من الرقي الروحي، وحرية التفكير في وجوه الإصلاح والإبداع في كل مرافق الحياة، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو عقلية أو خلقية، بل كل هذه النواحي من الإصلاح قد شجع عليها القرآن، مثل قوله تعالى:

فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب .

فاستبقوا الخيرات .

يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين .

ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير .

فهذه الآيات تحث العقل على التفكير في الرقي في مناحي الحياة المختلفة والإسراع إليه، وقد شجع رسول الله على الاجتهاد وإعمال العقل عندما قال معاذ إن لم أجد كتابا ولا سنة أجتهد رأيي؛ ولم يقف في سبيل أي تغيير صالح، ولم يشأ أن تكون الأحكام جامدة راكدة.

ثم عرض لما قاله المستر ملكولم من قوله إن الحكومة الإسلامية حكومة ثيوقراطية تخضع لقانون إلهي لا يتغير، غاضة النظر عما حدث في العالم من تغير في القرون المتوالية، واقفة في وجه كل إصلاح يقتضيه الزمان.

فرد عليه بأن الحكومة الإسلامية ليست ثيوقراطية، وقد كانت في عهد الخلفاء الراشدين حكومة ديمقراطية مؤسسة على اختيار الخليفة، ولم يكن في أيامهم قانون دستوري مكتوب يحتم طريق السير على نظام خاص إلا ما توحيه أصول القرآن. ثم استعرض الأدوار التي مرت عليها الحكومات الإسلامية ونظم الحكم فيها، وأبان خطأ الباحثين من مثل ملكولم من عدم تفرقتهم بين تعاليم القرآن وأقوال الفقهاء، قائلا إن المسلمين يقدسون القرآن، ولكن لا يقدسون أقوال الفقهاء؛ وإذا رجعنا إلى القرآن لم نجد نصا واحدا يفرض نوعا من الحكومة خاصا، بل إن رسول الله نفسه لم يشأ أن ينص على من يخلفه، وترك ذلك للمسلمين يرون ما فيه المصلحة لهم، وليس في تعاليم القرآن ما يمنع أن ينظر المسلمون في نوع حكومتهم ونظامها حسب مقتضيات الزمان وتغير الظروف، وكل ما يطالبهم به هو اتباع مبادئه الروحية والأخلاقية.

وختم هذا البحث بقوله إن الإسلام - متى فهمناه على أنه تعاليم القرآن ومبادئه الأساسية - دين قابل لكل تقدم، فيه من المرونة ما يواجه بها التغيرات الاجتماعية والسياسية، وفيه كل الحيوية التي تخدم التقدم السريع والمعقولية، أما تعاليم الفقهاء فليست بالمعصومة، وإذا كان فيها ما يدعو إلى الركود فلا علينا إذا نبذناها، واسترشدنا بالقرآن نفسه.

وهكذا خصص «سراج علي» جزءا كبيرا من حياته في الرد على ما ينشر في المجلات والكتب بالإنجليزية في المطاعن على الإسلام من هذا القبيل.

فكتب في نظر الإسلام في العلاقة بين المسلمين وأهل الأديان الأخرى، وفي دار الإسلام ودار الحرب، ومن رأيه أن هذا التقسيم ليس جامعا، وأن الهند ليست دار إسلام ولا دار حرب. وكتب في الرق في الإسلام وفي نظام الحرب، ودافع عن تركيا المسلمة وضرر الامتيازات الأجنبية ومعاملة المسلمين للمسيحيين والمسيحيين للمسلمين الخ، مما يطول لو لخصنا رأيه في كل ذلك.

3

ولعل القارئ يدرك من هذا التلخيص تطرف «سراج علي» في بعض آرائه، وخاصة ما يتعلق منها بطريقة استنباط التشريع من القرآن ومهاجمته للحديث، ثم إن هذا الرأي في جملته ينتهي إلى نتيجة خطيرة، وهي حصر الدين في القيادة الروحية، والهداية الأخلاقية، وإقامة الشعائر الدينية، ثم بعد ذلك يكون عقل المشرعين حرا في درس حياة الأمم وما وصل إليه التقدم القانوني والسياسي والاجتماعي، والاستفادة والاقتباس منه حسب حاجات الزمان ومقتضيات الظروف؛ وهذه صبغة تتجلى في هذه المدرسة، مدرسة السيد أحمد خان وسراج علي والسيد أمير علي، ولهذا لم يوافقهم عليها كثير من المسلمين، وإن وافقوهم وحمدوهم في نواحي الإصلاح الأخرى، كما حمدوا لهم غيرتهم الدينية، ودفاعهم المجيد عن الإسلام، وردهم هجمات كثير من كتاب الأوروبيين مما كان له أثر حميد عند المنصفين منهم ورجوعهم عن موقفهم. (1-2) السيد أمير علي

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦١٩