Sell
فأخذوا أقوالهم بدعوى أن هذا هو الإسلام وهم في ذلك مخطئون، ولو رجعوا إلى المجتهدين أنفسهم ومصادر الدين الأولى ما وقعوا في هذا الخطأ؛ فهؤلاء الحنابلة أنفسهم قرروا وأكدوا أنه يجب أن يكون في كل زمان مجتهد لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله»، ولأن الاجتهاد فرض كفاية في كل عصر، لأن الحوادث غير متناهية، وهذا أحد المتأخرين من علماء الهنود مولوي عبد العلي شارح كتاب «مسلم الثبوت» يقول: «إن من الناس من حكم بوجوب خلو (العالم من مجتهد) بعد العلامة النسفي، وقالوا إن الاجتهاد المقيد ختم به، والاجتهاد المطلق ختم بالأئمة الأربعة، حتى أوجبوا تقليد واحد من هؤلاء الأئمة، وهذا كله هوس من هوساتهم لم يأتوا فيه بدليل، ولا يعبأ بكلامهم، وإنما هم من الذين حكم الحديث بأنهم حكموا بغير علم فضلوا وأضلوا.
واستمر سراج علي فقال: إن أصول الأحاكم في الإسلام القرآن والسنة والإجماع والقياس، أما القرآن فلم يقل إنه أتى ليعلم القوانين الاجتماعية والسياسية ولا القوانين المدنية في شرح وتفصيل، وما تعرض له منها كان لبيان فساد بعض العادات العربية، ككثرة تعدد الزوجات، وسهولة الطلاق والرق، ومهاجمة الأخلاق الفاسدة التي تضر المجتمع؛ وأكثر الأحكام التفصيلية التي استنتجها الفقهاء في القانون المدني والجنائي والسياسي إنما استنتجوها من ألفاظ مفردة، وآيات وردت في السياق، ومع الأسف كان اعتمادهم على التمعن في الألفاظ والجمل أكثر من اعتمادهم على روح الآيات - لقد ذكروا أن آيات الأحكام في القرآن نحو من مائتي آية من ستة آلاف آية في القرآن، وأنا أعتقد أن نحو ثلاثة أرباع هاتين المائتين، ترجع إلى تعسف في الاستنتاج، من اعتماد على لفظ أو إمعان زائد في شرح. وعلى الجملة فالقرآن لم يتدخل - في نظري - في الأمور السياسية، ولا في تفاصيل القوانين المدنية والجنائية، إذ إنما يهمه التعاليم الدينية والقواعد العامة الأخلاقية، ومن أجل هذا بدأ المتنورون من علماء المسلمين في العالم الإسلامي - وخاصة في تركيا والهند في القرن التاسع عشر - يعتقدون بحريتهم في وضع النظم السياسية والاجتماعية والقانونية من غير أن يكونوا مخالفين للدين.
وأما الحديث فبحر واسع تعرض لموضوعات مختلفة اجتماعية وسياسية وقانونية جمعت كلها في كتب الحديث.
ولكن في الحق أن كثيرا من الصحابة لم يكونوا يرون جمع الحديث وتدوينه، وإن كان بعضهم الآخر - وخصوصا في الجيل التالي - قد حرص على جمعه. ونما الحديث نموا كبيرا وكثر الوضع فيه حتى أصبح بحرا لا ساحل له، واشتمل على حق وباطل، وحقائق وأساطير، وأصبح كل مذهب في العقائد وكل نظام سياسي واجتماعي يؤيد بالأحاديث الموضوعة، كما توضع لخدمة غرض خليفة أو أمير، واستخدام اسم الرسول
صلى الله عليه وسلم
في تغطية السخافات واختراع الأباطيل وخدمة الاستبداد.
وجمع الحديث في الكتب الستة جاء متأخرا في القرن الثالث الهجري، ونقده وتمحيصه لم يكن مؤسسا على معقولية الحديث، ولا على أحداث التاريخ ولا على امتحان صوابه، إنما اقتصر على الرواة والسند وتلقى بعضهم من بعض ونحو ذلك من الأوضاع الشكلية.
فليس - إذن - من الحق أن نقرر أن الأحكام المستمدة من الحديث غير قابلة للتغيير والتعديل، خصوصا إذا علمنا أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
نفسه لم يطلب من أصحابه تدوين حديثه الشفوي، وأنه لم يتدخل في النظم السياسية والقانونية ما لم تصطدم بروح الإسلام وتتعارض مع مبادئ الأخلاق.
وأما الإجماع - وهو اتفاق علماء الأمة في العالم الإسلامي على أمر لم يرد فيه كتاب ولا سنة - فقد أنكره داود الظاهري ومحيي الدين بن العربي وابن حبان وابن حزم، وقيل أن أحمد بن حنبل أنكره إلا أن يكون إجماعا للصحابة، وأنكر مالك الإجماع إلا إجماع أهل المدينة، كما أنكره النظام من المعتزلة الخ الخ وقد اهتز هذا الأصل وتزعزع بكثرة من هاجمه من العلماء وبقولهم بعدم وقوعه وعدم إمكانه.