ثم نرى في بعض المصلحين عيبا كبيرا؛ وهو أنهم لا يربون من يحمل علمهم، ويكمل خطتهم، وكثيرا ما يكون سبب ذلك اعتدادهم بأنفسهم مع شخصيتهم القوية التي لا تسمح لشخصية عظيمة أخرى أن تظهر بجانبهم، فتلتف حولهم الشخصيات الضعيفة التي تتقن الملق والنفاق، وتغذي بأقوالها وأعمالها عظمتهم واعتدادهم بأنفسهم، وتنفر منهم الشخصيات القوية لأنها ترى في نفسها ندا أو شبه ند، لأن كرامتها تأبى أن تنزل عن رأيها لرأيهم، أو تتصنع النفاق للقرب منهم، فإذا مات مثل هؤلاء مات إصلاحهم إلا من الرؤوس أو ثنايا كتب التاريخ - ولم يكن «السيد أحمد» من هذا الطراز، فهو قوي جبار في اعتناقه آراءه ومبادئه والجهر بها والعمل عليها، ولكنه سمح النفس مع الناقد الشريف، باذر الحب للنفوس حوله حتى تنمو وتقوى، مشجع لأتباعه وتلاميذه أن يروا رأيهم، ويستعملوا حقهم في صراحتهم، كما يستعمل حقه في صراحته.
ولذلك كان حوله وبعده من يكمل خطته، ويسلك منهجه، ويحمل رايته، ويصلح ما أخذ عليه من مثل سراج علي، والسيد أمير علي. (1) مدرسته (1-1) سراج علي
كان من أهم مدرسة «السيد أحمد خان» وأصحابه المشاركين له في العقلية نوع الإصلاح وإن خالفوه في بعض التفاصيل مولوي سراج علي، والسيد أمير علي.
فأما «سراج علي» فمن أهم مواقفه الدفاع عن الإسلام من ناحية خاصة غير الناحية التي عرض لها رينان والسيد جمال الدين، وغير ما عرض له هانوتو والشيخ محمد عبده.
ذلك أن بعض الإنجليز في الهند أثاروا مسألة هامة ومنهم مستر ملكولم مكل
Malcolm MacColl
نشر في مجلة
Contemporary Review
في عدد أغسطس سنة 1881 مقالا بعنوان «هل الإصلاح ممكن تحت نظام الحكم الإسلامي؟» ذكر فيه أن الإسلام صلب جامد غير قابل للتغير، ومبادئه القانونية والدينية والسياسية والاجتماعية مؤسسة على أراء ثابتة قاطعة محدودة لا تقبل زيادة ولا نقصا، ولذلك ليس فيها من المرونة ما يجعلها صالحة لمواجهة الأحوال الطارئة، ولا لتغير الظروف والبيئة المتجددة، فالتشريع عندهم راكد، ونظام الحكومة ثيوقراطي يديرها الخليفة أو السلطان نيابة عن الله ، إلى آخر ما قال شرحا لهذه النظرية، التي تنتهي بأن الإصلاح في ظل النظام الإسلامي غير ممكن، وقد وافقه على هذا الرأي بعض من إنجليز الهند وكتبوا مؤيدين رأيه.
فانبرى «سراج علي» لتنفيذ هذا الرأي في جرأة وصراحة قد لا يوافق على بعض ما يقوله بعض المسلمين إذ فيه نزعة «السيد أحمد» الجريئة، فقال:
إن الإسلام كما شرحه محمد رسول الله
صلى الله عليه وسلم
له من المرونة ما يمكنه أن يعدل نفسه وفق التقدم السياسي والاجتماعي للعالم، والتشريع الإسلامي كما جاء في القرآن لا يمكن أن يقال فيه إنه غير قابل للتقدم. «وكما كان اتساع الدولة الإسلامية بعد الرسول داعيا إلى وجود المجتهدين كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم، ليواجهوا مطالب الحياة الاجتماعية، ويشرعوا لها تطبيقا على الأصول الإسلامية، فكذلك نحن الآن. فتغير الإقليم والأخلاق والمعاملات والتاريخ والحضارة في الأقطار الإسلامية يجب أن يواجه باجتهاد من جنس الاجتهاد السابق، يراعى فيه ما حدث للمسلمين من تغير سياسي واجتماعي، فليس التشريع منطقا صرفا، ولا نظريات محضة، وإنما هو علم تجارب واستنتاج من الواقع، فيجب أن تقابل ظروفنا ببحث واجتهاد في حياتنا كما قابل أبو حنيفة والشافعي وغيرهما الحالة في أزمانهم، وليس ذلك مخالفا لروح الدين في شيء؛ والمذاهب التي واجهت الماضي وكانت صالحة له لا يمكن أن تطبق بحذافيرها على العصر الحاضر من غير أن يدخلها التعديل الذي يقتضيه الحال.
وليس أحد من المجتهدين السابقين حتم طريقته في الاستنتاج والاستنباط، ولا قال إن كلمته هي الأخيرة، بل إنهم - رحمهم الله - لم يوجبوا ذلك على معاصريهم، فكيف يوجبونه على المستقبل مع تغير الظروف والأحوال والأوضاع؟! إنما الذي قال ذلك بعد المقلدون الذين لم يكن لهم من صدق النظر وعمق التفكير والمعرفة بأحوال الزمان ما للمجتهدين، وسلبوا أنفسهم حق الفكر، ونادوا بعدم الاجتهاد. وجاء بعد ذلك بعض المستشرقين أمثال مستر سل