ثم كانت له جولة إصلاح عظيمة في اللغة الأردية؛ لقد كانت هذه اللغة قبله كاللغة العربية في عهد الظلام: عشق وغرام ومديح، وأسلوب مزركش الظاهر فارغ الباطن، فنقلها إلى آفاق واسعة، وأصبح من موضوعاتها السياسية والاجتماع والأخلاق والدين والتاريخ والأدب في أسلوب متين فيه القوة والسلاسة والصفا، والسعة، غزير بالمعنى، خال من التصنع.
لقد بدأ «السيد» حياته في اللغة الأردية شاعرا، فكان شاعرا عاديا لم يلفت النظر إليه، فلما اتجه إلى النثر ملك ناصيته وفتح فيه فتحا مبينا، وبدأ ذلك في جريدته التي أنشأها واسمها «سيد الأخبار»؛ فلما أنشأ بعد جريدة «تهذيب الأخلاق» بلغ في ذلك الغاية. وأئتم به كثير من الكتاب وأصحاب الجرائد فعالجوا بهذه اللغة موضوعات لم تكن تعالج فيها من قبل، وبذلك أخذ الأدب الأردي يشق طريقه إلى التقدم؛ يقول هو في ذلك:
لم آل جهدا في ترقية العلم والأدب باللغة الأردية على صفحات جرائدي المتواضعة، واتخذت في ذلك أسلوبا يجمع بين السهولة والجزالة لا تعقيد فيه ولا تكلف، تجنبت فيه الألفاظ الرنانة، والاستعارات والكنايات الوهمية التي تنحصر في الشكل ولا تتصل بالقلب، وجهدت في تشويق القارئ إلى ما أكتب فيه، ونقل مشاعري وعواطفي إلى مشاعره وعواطفه.
وتعددت موضوعات كتاباته فطرق كل موضوع، وعالجه معالجة من يلقى عليه ضوءا كاملا لا يتركه حتى يكون واضحا جليا في جميع جوانبه.
ثم وجه الناس إلى العناية بهذه اللغة وأدبها، ونقل كثيرا من خير الآداب الأجنبية إليها. وكان له رأي في الترجمة إلى اللغة الأردية بديع، وهو عدم التقيد بالحرفية في الترجمة، ويرى أن هذا أسلوب واه ضعيف؛ وإنما الواجب أخذ الأفكار وعرضها عرضا جديدا بطريقة تتفق وذوق الهنود وتلائم أفكارهم. ولم تكن اللغة الأردية تشتمل على مصطلحات علمية، فجد في صياغة اللغة صياغة تتناسب مع العلم، ووضع ما استطاع من المصطلحات؛ وسار على هذا المنهج طلبته.
قال الأستاذ شبلي النعماني عالم الهند العظيم: «طالما كان النزاع بيني وبين السيد أحمد شديدا في آرائه الدينية، وطالما فندت آراءه، ومع هذا لا أنكر فضل أسلوبه العالي الذي استخدمه في شرح أفكاره، فكان أسلوبا رائعا منقطع النظير، مملوءا بالفكاهة الحلوة، والتنادر الظريف.
حدث مرة أن مولوي على بخش نقده نقدا مرا، ثم ذهب إلى مكة بقصد الحج وأخذ فتوى من علماء مكة بتكفيره، فكتب السيد أحمد في «تهذيب الأخلاق»:
ما أعجب إلحادي، قد جعل مني كافرا وجعل منه حاجا مؤمنا - إني لفي شوق شديد لأن أرى فتواه، إنه كما قال الأول: إذا خرب بيتي بيت الأوثان، قام على أنقاضه بيت الإيمان. إن إلحادي كالأمطار، تخرج أحسن الورود في البستان، وأحسن الكلأ في الوديان.
ولما صدر الأمر بإغلاق جريدة «تهذيب الأخلاق» كتب في آخر عدد منها:
طالما طرقت باب النيام ليستيقظوا، فإن فعلوا فذلك ما أبغي، وإن تخبطوا عند انتباههم وترنحوا يمنة ويسرة فمرحلة لا تستوجب الرضا، ولكنها مع ذلك تستوجب الأمل في يقظة المستقبل، وليتها تكون.
وعندما ترى الأم طفلها مريضا تلح عليه أن يشرب الدواء المر، وهو يلح دعيني يا أماه قليلا فسأشربه بنفسي.
وأنا كذلك سوف أطرق باب النيام دائما ليستيقظوا، وسأصيح بالأطفال المراض اشربوا اشربوا حتى يتجرعوا.
لا أكل ولا أمل.
وظل كذلك يدق الباب، ويلح في شرب الدواء حتى أدرك الناس أخيرا جدا أنه قام بعمل جليل في لغة قومه وعقليتهم وتعليمهم وتربيتهم، مهما عابوه في بعض تعاليمه الدينية، وبعده عن التدخل في السياسة القومية.
فلما زار البنجاب في آخر حياته استقبل استقبال الملوك الظافرين، والغزاة الفاتحين، بل المصلحين الناجحين، وأنساه نعيم الآخرة شقاء الأولى.
ولما بلغ الحادية والثمانين من العمر أسلم روحه لخالقه، فبكاه الأوروبيون والهندوس والمسلمون على اختلاف عقائدهم وطبقاتهم ومذاهبهم السياسية والاجتماعية، وأشد ما بكوه من أجله، شجاعته التي لا تحد في تنفيذ خطته، وصراحته البالغة في الجهر برأيه، وعدم اعتداده بنقد الناقدين على اختلاف ألوانهم، وإصراره على ألا يسمع إلا لصوت ضميره؛ ينقد الإنجليز في ترفعهم، والمواطنين في تخلفهم، ورجال الدين في جمودهم، ورجال السياسة في تخيلهم، على حد سواء، ويبكونه أكثر من ذلك لأنه مصلح عملي، لا يكفي بالنظريات والمبادئ يثيرها، ثم يهدأ ضميره لأنه قد أدى واجبه، بل لا يزال يسعى ويكدح وراء مبادئه حتى يخرجها في بناء وفي طلبة وفي معمل وفي مؤتمر وفي مجلة وفي درس، وهي ميزة ندر أن تكون في المصلحين، ولذلك كانت نتيجته في إصلاحه عملية كسيرته؛ فلو رأيت مسلمي الهند أيام سلمهم، ورأيتهم أيام تسلمهم لوجدتهم قد ارتفعوا درجات في العلم، وفي الفكر، وفي الخلق، وفي اللغة، وفي الصلاحية للحياة؛ حتى لو قلنا إن تاريخ المسلمين في الهند قد تحور واتخذ اتجاها جديدا في حياته وبحياته لم نعد الصواب.