تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم كانت له فكرة عظيمة نافعة، وهي أن يجمع مؤتمرا كل عام يجتمع فيه قادة المسلمين في الأقاليم الهندية المختلفة، كل عام في مدينة، يلقون فيه الخطب والمحاضرات عن الشؤون الإسلامية وأمراض المسلمين وعلاجها، ويصدرون القرارات التي يرونها نافعة في ذلك. وكان الغرض الذي يرمي إليه «السيد» منه بث روح الائتلاف بين المسلمين في البلاد الهندية، وتبادل الآراء في خير الوسائل لترقيتهم، والتعاون على الأعمال المفيدة من إنشاء المدارس أو النهوض بها أو نحو ذلك، وقد نفذ الفكرة ونجح المشروع ورأس السيد المؤتمر خمس سنوات قبل أن يتوفاه الله، ثم استمر يجتمع بعد حياته برياسة بعض أصحابه وأتباعه.

لقد سيطرت روحه على المؤتمر في حياته وبعد مماته، وهي روح تدعو إلى الهجوم على المدنية الغربية، وأخذ كل شيء حسن فيها، وخصوصا العلوم والآداب «إن النور اليوم يأتي من الغرب بعد أن كان يشرق من الشرق، فيجب أن نأخذ من أوروبا علومها ومدنيتها، ونسير مع الزمان في مضمار الحياة العصرية، وذلك لا يفقد المسلمين شخصيتهم ودينهم، إنما يفقدهم ذلك الجهل لا العلم» «إن التعليم كان في الزمن الماضي دينيا محضا لا يعبأ بالدنيا وما فيها، وقد تطرف في الأولى وأخل بالثانية، فحبذا الجمع بين الدين والدنيا». «إن العلم اتخذ شكلا جديدا، فلم تعد طبيعيات أرسطو، ولا نظريات ابن سينا ولا جبر الخيام ولا كيمياء جابر بكافية، وهي لا تصلح للدراسة إلا من الناحية التاريخية». واهتم المؤتمر بالتربية وشؤونها، ينتقد التعليم ومناهجه ويقترح الإصلاح ويضع نصب عينه كلية عليكره «حتى تصل إلى درجة تساعد على ترقية النشء وتهذيبه، وحتى تصل إلى درجة تكون فيها منبع العلوم ومحط الرحال للطلبة من جميع الأقطار الإسلامية؛ وليس من البعيد عند ذلك أن ينبغ فيها أمثال ابن سينا وابن رشد وغيرهما من العلماء السابقين ينشأون في مهد العلوم الحديثة ويبحثون فيها وينهضون بها، فأن هؤلاء الناشئين بمساعدة المباحث والتجارب الكيمياوية والطبيعية والفنون المصرية والقواعد الطبية يعيدون لنا سالف مجدنا القديم، فيكون فيهم ابن موسى جديد يخترع آلات جديدة، وطوسى آخر يكتشف كواكب ويحدد دوائرها ويضع كتبا في علم الهيئة الحديثة وهكذا». «والذي نريده أن ينشأ أولادنا في عالم من الحرية بعيدين عن المضار والأوهام الفاسدة والعادات السخيفة التي تحيط بهم من كل جانب».

عليكم بالعلم، فإذا شئتم أن تتعلموا وتستفيدوا فانسلخوا من كثير من عاداتكم القديمة وأخلاقكم الوخيمة، واهتدوا بنور العلم في طريق حياتكم التي تسيرون فيها: «يجب علينا أن نشارك الأمم الغربية في معارفهم وأن نزاحمهم في مساعيهم بالمناكب والأقدام في كل خطوة يخطونها لكسب علم أو اختراع عمل، ولا منقذ لنا من براثن الفقر ومخالب الجهل إلا اقتطاف علومهم وإدخال مدنيتهم ليكون هناك شيء من التكافؤ بيننا وبينهم، حيث لا حافظ لنا من الهلاك في هذا المزدحم الشديد إلا التكافؤ».

هذه أقوال من أقوال أصحابه وأتباعه الذين حملوا الراية بعده في المؤتمر الهندي الإسلامي وكلها من روحه ومستمدة من تعاليمه

2 .

لقد ظل حياته يكافح في سبيل المسلمين في الهند كفاحا شديدا وهو صابر على رميه بأشنع التهم من كفر وإلحاد وفقدان وطنية، وأنه آلة إنجليزية، شجاع في مقابلة كل ما يقف في سبيله يجتاحه اجتياحا، يرى أن المسلمين مرضي لا يشعرون بمرضهم إلا إذا ذاقوا طعم العافية؛ فقراء لا يشعرون بفقرهم وسوء مسكنهم وغذائهم إلا إذا أكلوا الطعام الهني وناموا على الفراش الوثير في المسكن الفسيح، فعمل على أن يذوقوا العافية والغنى ليدركوا ما كانوا عليه من مرض وفقر، وكذلك كان.

فقد رأى مسلمو الهند ناشئة جديدة عاقلة مفكرة مهذبة تصلح للحياة، ورأوا كلية عليكره تنتج في البلاد حركة فكرية بديعة، وتؤلف الكتب القيمة في أسلوب جديد قويم؛ وأخذت الحياة تدب بين المسلمين بعد خمودها، فآمنوا إذ ذاك بأن «السيد أحمد» مصدر نعمة وبركة، لا كارثة ونقمة. وإن اختلفوا معه في بعض آرائه.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦١٥