تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على كل حال إنما يهمنا منه دعوته إلى الإصلاح وعمله في سبيله.

لقد نظر فرأى أن بالهند نحو سبعين مليونا من المسلمين فشا فيهم الفقر والجهل والبؤس والقلق، من تعلم منهم فتعلم ديني عقيم لا يفتح نظرا ولا يبعث حياة. وهم خاضعون لرجال دين لا يفهمون من الدين إلا رسمه؛ يريدون أن يخضعوا المدنية الواسعة لعقليتهم الضيقة، ولا يعترفون بتغير زمان وتلون حياة، وتقدم علم؛ يعيشون في ركود العالم حولهم مائج، يرون أن المدنية الحديثة بعلمها ونظمها ووسائلها ومقاصدها مدنية كفر لا يصح للمسلم أن يستمد منها ولا أن يتعاون مع أهلها، وأنهم إذا فتحوا صدورهم لها طاحت عقائدهم وأخرجتهم من دينهم. في كل بلد أو إقليم «ملا»، وهذا الملا أو العالم الديني يتسلط على عقول أهله، فإذا فتح المبشرون مدارس حرم هؤلاء العلماء على المسلمين أن يرسلوا أبناءهم إليها ثم لا يفتحون هم مدارس مثلها، بل إذا فتحت الحكومة مدارس فكذلك حرموها على أبناء المسلمين؛ والندوس يرسلون أبناءهم إلى هذه وتلك فيتثقفون ويصلحون للحياة ويشغلون المناصب الحكومية، والمسلمون بمعزل عن الوظائف لأنهم في مدارسهم الدينية البدائية بمعزل عن الحياة. فالمدارس مملوءة بالنصارى والوثنيين، وفيها القليل النادر من المسلمين؛ وكانت نتيجة هذا أن أعمال الحكومة المتنوعة - وخصوصا المناصب الكبرى منها - أصبحت وليس في يد المسلمين منها إلى ما ندر.

وحركات الإصلاح الديني التي قام بها بعض رجال الدين كانت دعوات سلبية أو قليلة القيمة العملية. ففي سنة 1804 قام الحاج شريعة الله يؤلف حزبا إصلاحيا قوامه أن صلاة الجمعة لا تصح في الهند لأنها ليست دار إسلام، ولذلك سمي حزبه «جماعة اللاجمعة»، وما أكثر ما أخذت هذه المسألة من تفكيرهم ووقتهم، وخلافهم وجدلهم، ودخل فيها الملايين من مسلمي بنجاب.

وجاء مصلح آخر اسمه كذلك: «السيد أحمد» (1782-1831) فحج واعتنق مذهب ابن عبد الوهاب، وجاء إلى الهند داعيا بدعوته من تحريم زيارة الأضرحة والشفاعة بالأولياء ونحو ذلك مما ذكرنا قبل، وزاد على ذلك دعوته أن الهند دار حرب لا دار إسلام، وأن الجهاد فيها واجب على المسلمين، فاصطدم هو وأتباعه بالحكومة الإنجليزية، وكانت خصومة، وكانت ضحايا، ولم تكن هناك نتيجة ذات قيمة .

لم يعجب السيد أحمد خان هذا كله وتساءل في حزم ما علة هذا الجهل وضيق العقل والفقر وسوء الحال؟ وأجاب في حماسة: إنه التربية، ومن ذلك الحين ابتدأ يضع منهج التربية التي يريدها. وصادف ذلك أن ثورة سنة 1857 كشفت لعقلاء المسلمين في الهند حالهم ووجوب تغيير موقفهم وشعورهم بتخلفهم عن الطوائف الأخرى، فتناغم تفكير «السيد أحمد» واستعداد الرأي العام للتنور فأنتج هذا التناغم حركة إصلاح تعد نقطة تحول في تاريخ المسلمين في الهند.

قال لقومه يوما: «انظروا إلى انجلترا، لقد كانت ثروتها تتمشى يوما فيوما مع تربيتها، كلما زادت تربيتها زادت ثروتها، وقد كانت منذ قرن وأمامها من العقبات والصعاب التي تعوق التربية أكثر مما عندنا، ولم يكن لها إذ ذاك سكك حديدية ولا آلات ميكانيكية للطباعة ولا نحو هذا، إنما كان لها سعة نظر وقوة إرادة. «لو أن الهند سنة 1856 كانت تعرف العالم وتعرف قوتها وقوة خصمها من الإنجليز، وتزن الأمور بميزان صحيح وتدرك نتائج الأمور، ما حدثت الحوادث الأليمة التي حدثت سنة 1857 - ألا إن الجهل سبب لكل شر».

وأول ما بدأ به خطته في التربية إنشاؤه جمعية أدبية علمية في عليكره - حيث كان قاضيا بها سنة 1861 - كان الغرض منها نشر الآراء الحديثة في التاريخ والاقتصاد والعلوم وترجمة أهم الكتب الإنجليزية في هذه الموضوعات إلى اللغة الأردية، وقد كان يرى أن تعلم هذه العلوم باللغة الإنجليزية لا يكفي إلا في تثقيف عدد قليل لا يجزي، إنما الذي يفيد فائدة كبرى نقل هذه العلوم إلى لغة البلاد حتى يشترك في تفهمها والاستفادة منها أكبر عدد ممكن، ولذلك كانت خطته التي بدأ بها وسار عليها، نقل هذه الكتب الهامة من اللغة الإنجليزية إلى اللغة الأردية، ولم يمنعه إعجابه بالإنجليز ولغتهم وثقافتهم من أن يكون صلبا حازما شديدا في طلبه نقل الكتب الإنجليزية للشعب لا نقل الشعب للغة الإنجليزية.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦١٢