تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كانا على غير رأي السيد جمال الدين في الإنجليز والاحتلال؛ كان السيد يكره الإنجليز ويشنع عليهم ما استطاع، بحكم ما لقي منهم في الأفغان والهند ومصر وباريس، حتى لقد عاتبه بعض أصحابه يوما وقال له: إننا نراك عادلا في حكمك على الأشخاص والأمم، تذكر بالخير حسناتهم، وبالشر سيئاتهم، ولا نراك تفعل ذلك في الإنجليز. قال السيد: «ليس من ينكر أن الإنجليز - كأمة - من أرقى الأمم، تعرف معاني العدل، وتعمل بها، ولكن في بلادها، ومع الإنجليز أنفسهم»، ثم ذكر له ما فعلته في الهند ومصر. ولخص رأيه مرة أخرى وقال: «إن الشرقيين تصرفوا في أملاكهم وأراضيهم وبلادهم تصرف السفيه المبذر، ثم قضى عليهم أن يكون الحاكم لهم هو الغرب، والغرب - في الحقيقة - ليس من مصلحته إصلاح سيرة الشرقي ولا منعه من السفه، بل من أمانيه أن يتمادى الشرق في غيه وإسرافه، ليطول عهد الحجر عليه». فلما كانت عقيدة جمال الدين هذا كانت سيرته في حياته ما ذكرنا.

أما السيد أحمد خان والشيخ محمد عبده فيريان أن الإنجليز خصوم شرفاء معقولون، يمكن التفاهم معهم، وأخذ أشياء من أيديهم تدريجا لمصلحة الأمة، حتى إذا نضجت الأمة أمكنها الحصول على حقوقها كاملة، حيث لا تستطيع أن تنال شيئا منها مع الجهل والغفلة. •••

هو السيد أحمد خان ابن السيد محمد متقى خان من أسرة أرستقراطية نبيلة، رحل أجداده من بلاد العرب إلى هراة ومن هراة إلى دلهي في عهد «أكبر شاه»، وقد ولد صاحبنا في 17 أكتوبر سنة 1817 وتوفى والده وهو في التاسعة عشرة من عمره، بعد أن ثقفه ثقافة دينية على عادة أهل زمنه وبلده. وقد جرت أسرته على عادة التحرج من الاتصال بالإنجليز وخدمتهم، ولكنه خالف أهل بيته والتحقق بخدمة الحكومة أمينا للسجلات في القلم الجنائي في دلهي، ثم عين منصفا (قاضيا مدنيا) في «فاتح بور» من إقليم «أكرا» ثم منصفا في «بجنور»

Bignaur ، وإذ هو في هذا العمل في هذه المدينة اندلعت نار الثورة الهندية سنة 1857، وقام الهنود بحركة عنيفة، يخربون السكك الحديدية ويذبحون الإنجليز حيثما وجدوهم، ويدمرون ما وصلت إليه أيديهم، فكانت ثورة جائحة عنيفة أشد العنف، وهاج الرأي العام على الإنجليز هياجا شديدا. ولكن كان رأي السيد أحمد هادئا متزنا، مخالفا للرأي العام، فرأى أن هذه الثورة لا تأتي بنتيجة، وأن آخرة أمرها عودة الإنجليز إلى السيطرة ثانية من غير فائدة إلا ضحايا الطرفين، وأن قتل الإنجليز - وخاصة المدنيين - عمل غير إنساني. لذلك وضع خطة بذل فيها الجهد مع بعض أصدقائه لحماية الإنجليز من القتل، وإنجاء من تصل إليه أيديهم منهم، فنجا على يده ويد أصدقائه كثير، وضحى في ذلك بالكثير من ماله وباضطهاد أقاربه حتى لقد طعن بعضهم بالخنجر بيد الثائرين، وماتت أمه لهول الصدمة من وقع هذه الحوادث الأليمة. فلما هدأت الثورة عرف له الإنجليز فضله، وحفضوا له جميله، وكافئوه ماديا وأدبيا. ومن ذلك الحين تأكدت الصلة بينه وبينهم، فاستخدمها فيما وضع من خطة إصلاح.

ومع هذا فقد وضع رسالة في أسباب هذه الثورة باللغة الأردية وترجمت إلى الإنجليزية كان فيها قاضيا منصفا، لم يتحيز فيها للهند ولا للإنجليز، ولم يرع فيها عداوة عدو ولا صداقة صديق، فرد على بعض الجرائد الإنجليزية فيما ذهبت إليه من أن الثورة سببها تهييج الأفغان أو الروس للهنود، وتدبير المؤمرات والدسائس منهما، وعد ذلك سخافة من القول لا قيمة لها، وأن حركة الثورة حركة شعبية صادرة من صميم الشعب، سببها أن كثيرا من المآسي يشعر بها الشعب من سنين، ثم لا تصل إلى السلطات العليا، ولا تعلم بها حتى تعالجها؛ فبينما الحكومة من جانبها تتبع خطتها المألوفة من جهل سعيد بما يدور في أذهان الشعب وما يشعر به من آلام، إذا بالشعب من جانبه يتهم الحكومة بعلمها بمآسيه وسوء القصد من تصرفها، كما أن الشعب يعتقد أن الحكومة تتدخل في عقائده وشعائره الدينية، وتؤيد - ولو في الخفاء - حركات التبشير في البلاد ... إلى آخر ما ذكر من أسباب كان فيها صريحا مخلصا يقول ما يعتقد. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦١١