ولكن سرعان ما هاج عليه الرجعيون والمتزمتون من رجال الدين يتهمونه بإفساد العقول وإفساد الدين وإفساد الوطنية، واشتبك في حرب عوان معهم انتهت بانتصاره بوضعه الحجر الأساسي لكلية فيكتوريا بغازي بور.
وحدث حادث كان له أكبر الأثر في إصلاحه، ذلك أنه في سنة 1869، وهو في نحو الثانية والخمسين من عمره، تقرر إرسال ابنه «محمود» إلى إنجلترا - عضو بعثة -، فانتهزها «السيد أحمد» فرصة وسافر معه؛ وحدثت له على السفينة طرائف رويت عنه من أحاديث في الدين تحدث بها مع أصدقائه من الإنجليز يدل على غيرته على الإسلام مع سعة عقل، وابتهج حين مروره على شاطئ جزيرة العرب لأنها مبعث النبي.
نزل إنجلترا وقابل كثيرا من عظمائها، منهم توماس كارليل، وقد حدثه «السيد» طويلا في محمد، ولعله كان لذلك أثر محمود في كتابة «كارليل» الفصل البديع عن محمد البطل في كتابه «الأبطال». وأخذ «السيد» يدرس نظم التربية في إنجلترا، ولفت نظره تربية الشعب الإنجليزي وثقافته أكثر مما لفت نظره تربية الخاصة. لقد دون إعجابه بخادمة المنزل تقرأ وتكتب، وبربة المنزل لها رأي في السياسة العامة. وبالحوذى يقرأ الجريدة ويحتفظ بها ليتم قراءتها عند انتظار راكب، ونادى إذ ذاك بفكرته المتغلبة على ذهنه قائلا: «إن الذين يريدون إصلاح الهند الحقيقي يجب أن يجعلوا نصب أعينهم نقل العلوم والفنون والآداب الأوروبية إلى لغة البلاد الأصلية، وأحب أن يكتب هذا الرأي بأحرف كبيرة جدا على جبال الهملايا لتذكرة الأجيال القادمة. إن تقدم الغربيين إنما جاء من أنهم عالجوا الآداب والعلوم بلغتهم، ولو كانت العلوم والفنون تعلم في إنجلترا باللغة اللاتينية أو اليونانية أو العربية أو الفارسية لظلوا جاهلين جهل الهند، فما لم نهضم العلوم والفنون ونتمثلها بلغتنا فستظل في حالتنا السيئة».
ولعل قارئ هذا يطفر ذهنه - إذا قرأ هذا النداء - إلى حالة البلاد العربية، ويقول كما قال «السيد أحمد» ما لم تتوحد اللغة العربية والعامية في الأمم العربية وتنتقل العلوم والفنون إلى لغة الناس التي يتكلمون بها في بيوتهم وشوارعهم ومعاملاتهم وسمرهم، فلا أمل في إصلاح حقيقي. ورحم الله أستاذي «علي بك فوزي» فقد زرته في الآستانة وجلست معه جلسات طويلة، أستفسر فيها عن ثورة تركيا ونتائجها ومحاسنها ومساويها، فقال لي مرة: «حبذا لو تعلمتم التركية لا لأن أدبها رفيع المقام، ولكن لتروا كيف استخدم الأتراك لغتهم وآدابهم لإصلاح عقولهم وشؤونهم». وعقب على ذلك فقال: «لا أمل في إصلاح مصر ما دام هناك لغة للعلم، ولغة للكلام، فإما أن ترقى لغة الكلام، وإما أن تنحط لغة العلم حتى يتحدا، وحينئذ فقط يكون التفكير الصحيح والرقي الشعبي».
وكنت مرة أقدم أديبا مصريا كبيرا لشرقي كبير، فسألني سؤالا غريبا: «هل هو يكتب للخاصة أو للعامة؟ فقلت: للخاصة، قال: ومن من الأدباء يكتب للشعب؟ قلت: لا أحد، قال: وا أسفاه!
واهتم «السيد أحمد» بدراسة نظام التربية في المدارس الشعبية وفي الجامعات الإنجليزية، وكان مما قاله: «إن الطفل في مدارس انجلترا يتربى ويتثقف، وأما في مدارس الهند فيتعلم، وشتان بين التربية والتعليم، وإن الشاب في الجامعات الهندية يفقد أخلاقه بسكناه في أوساط المدن مع المغريات المتعددة، كما أنه ليس في هذه الجامعات عناية بالأخلاق والآداب والدين، وأساتذتها ومدرسوها يعتقدون أن واجباتهم تنتهي بانتهاء دروسهم، وآمال الشبان ومطامحهم محصورة في وظائف حكومية، من غير تفكير في واجب لأنفسهم ولا لأمتهم».
يجب تغيير كل ذلك، ووضع منهج لمسلمي الهند غير المنهج الذي يسيرون عليه.
| السيد أحمد خان (2)
عاد السيد أحمد من إنجلترا وهو عاقد العزم على إصلاح حال المسلمين في الهند عقلا ودينا ولغة وخلقا واجتماعيا، سواء في ذلك خاصتهم وعامتهم، مصمم على أن يغزو الجهل والجمود بكل ما يستطيع من قوة، وأن يحمل المسلمين بكل الوسائل على أن يتقبلوا المدنية الحديثة في علومها وفنونها قبولا حسنا، ويستخدموها في ترقية حياتهم، وأن يبذل الجهد في التوفيق بين الإسلام والمدنية؛ فالإسلام في جوهره وأصله معقول واسع الصدر لأحكام العقل غير مناهض لما يثبته العلم، فإذا نقى مما لحقه وليس منه أمكن أن يقبل المسلمون على العلم الحديث من غير حرج.