تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقفنا على قبره وقلنا: هنا رقد محيي النفوس ومحرر العقول، ومحرك القلوب، وباعث الشعوب، ومزلزل العروش، ومن كانت السلاطين تغار من عظمته، وتخشى من لسانه وسطوته، والدول ذات الجنود والبنود تخاف من حركته، والممالك الواسعة الحرية تضيق نفسا بحريته.

هنا خمد من كان يشعل النار حيث كان، في الأفغان، في مصر، في فارس، في باريس، في لندرة، في الآستانة.

هنا باذر بذور الثورة العرابية، ومؤجج النفوس للثورة الفارسية، ومحرك العالم الإسلامي كله لمناهضة الحكومات الأجنبية، والمطالبة بالإصلاحات الاجتماعية. هنا من حارب إسماعيل وتوفيقا في مصر، وناصر الدين في فارس، وانجلترا في باريس، وحارب الجهل والأمية والذلة في الشرق، والجاسوسية والنفاق في الآستانة. ولم ينتصر عليه شيء إلا الموت.

لقد أجللناه وأعظمناه، والتهبت نفوسنا لذكراه، فكيف كان محضره ومرآه، رحمه الله.

| السيد أحمد خان (1)

1817-1898

هو في الهند أشبه شيء بالشيخ محمد عبده في مصر بعد مفارقته للسيد جمال الدين وعودته من نفيه، الإصلاح عندهما إصلاح العقلية بالتثقيف والتهذيب، والنظر إلى الدين نظرة سماحة ويسر، والاستقلال يأتي بعد ذلك تبعا؛ فلا استقلال لجاهل ولا مخرف، إنما عماد الاستقلال العلم، العلم بالدنيا وبالدين، العلم بكل شيء أتت به المدنية الحديثة من طبيعة وكيميا، ورياضة وفلك، ونفس واجتماع ونظام الحكم والإدارة؛ ذلك كله إلى دين يحي القلب ولا يقيد العقل، ويغذي النفس ولا يشل التفكير. والإسلام إذا فهم على أصوله كفيل بذلك؛ فليس فيه ما يمنع الإنسان أن يصل في العلوم ونظم الدنيا إلى غايتها، بل فيه ما يبعث على ذلك ويشجعه، وفيه ما يحيي القلب، ويوجه الإنسان في حياته وفي علمه وفي تفكيره إلى الخير. ثم كلاهما كان يرى أن السلطان في مصر وفي الهند في يد الإنجليز، ولهم من القوة المادية من الأسلحة والذخائر في البر والبحر، ومن القوة العلمية والسياسية ما لا تستطيع الهند ومصر مقاومته. قد يستطيعون المقاومة إذا اتحدوا، ولكن كيف يكون اتحادهم مع جهلهم وضعف خلقهم، بل كيف يكون ذلك مع فساد أمرائهم - إذ ذاك - وبحثهم عن منافعهم الشخصية ولو على حساب الأمة؛ - قالا - إذن فالأولى مسالمة الإنجليز والتفاهم معهم، وأخذ ما نستطيع لخير الشعب منهم؛ لنفهم الإنجليز أن عليهم واجب النهضة بالشعوب التي يحكمونها عقليا كما ينهضون بها ماديا، وأنهم مسئولون على جهل الأمم التي يحكمونها، كما هم مسئولون عن فقرها، وأن العلم والثقافة وإنارة الأذهان في مصلحة المستعمر والمستعمر، ولنأخذ منهم ما نستطيع أن نأخذه من طريق الإقناع والمسالمة والمصالحة، وما نأخذه نستغله في خير الشعوب وثقافتها خير استغلال، والزمن - بعد - كفيل بإظهار النتائج.

ثم كلاهما عانى من المتاعب ما عانى الأخر من جهتين: فمسالمة المستعمرين لا ترضى - عادة - دعاة الوطنية والاستقلال، ويرون فيها خيانة. وقد يرى بعضهم أن لا مفاوضة ولا مطالبة ولا مسالمة إلا بعد الجلاء، وكل من يطلب شيئا دون هذا بائع لوطنه يستحق أن يهاجم وينقد ويؤنب - ومن جهة أخرى هناك الطبقة الجامدة من العلماء التي ترى العلوم الحديثة التي أتت بها المدنية الأجنبية مفسدة، والقول بأن قوانين الدنيا في الزراعة والاجتماع والصحة والمرض وكل شيء مبني على السبب والمسبب كفر بالقضاء والقدر، وإنكار سلطة المشايخ والأولياء والأضرحة زندقة. فهؤلاء وهؤلاء يشنون الغارة على مثل الشيخ محمد عبده والسيد أحمد خان، فيختطون هم دعوتهم وسط هذه الأشواك الحادة. وقد يمد الأمراء دعاة الرجعية بوسائلهم للنيل إلى أقصى حد من المصلحين من هذا القبيل لأنهم نقموا عليهم الالتجاء إلى معونة الأجنبي دونهم، ولو التجئوا إليهم - مع الأسف - ما نفعوهم. كل ذلك كان في مصر وفي الهند، لأن طبيعة الأشياء واحدة، وقوانين الطبيعة لا تتخلف.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦١٠