تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد كان يؤمن بالأصول، ويترك لعقله الحرية التامة في الفروع، ويصل في ذلك إلى نتائج غريبة عن أذهان الجامدين المتزمتين فيرمى بالإلحاد؛ فكان ينفر من التقليد ويدعو إلى الاجتهاد، ويذكر في مجلسه قول للقاضي عياض ويتمسك به راووه فيقول «السيد»: سبحان الله! إن القاضي عياضا قال ما قاله على قدر ما وسعه عقله وتداوله فهمه، وناسب زمانه، فهل لا يحق لغيره أن يقول ما هو أقرب للحق وأوجه وأصوب من قول القاضي عياض وغيره من الأئمة! إذا كان القاضي عياض وأمثاله سمحوا لأنفسهم أن يخالفوا أقوال من تقدمهم فاستنبطوا وقالوا ما يتفق وزمانهم فلم لا نستنبط ونقول ما يوافق زماننا؟! «ما معنى باب الاجتهاد مسدود، وبأي نص سد، أو أي إمام قال لا يصح لمن بعدي أن يجتهد ليتفقه في الدين، ويهتدي بهدي القرآن وصحيح الحديث والاستنتاج بالقياس على ما ينطبق على العلوم العصرية وحاجات الزمان وأحكامه! «إن الفحول من الأئمة اجتهدوا وأحسنوا، ولكن لا يصح أن نعتقد أنهم أحاطوا بكل أسرار القرآن، واجتهادهم فيما حواه القرآن ليس إلا قطرة من بحر، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء من عباده».

ويرى أن التفرقة بين أهل السنة والشيعة أحدثتها مطامع الملوك لجهل الأمة، وجميعهم يؤمنون بالقرآن ورسالة محمد، ففيم الخلاف ولم القتال؟

ويقول إن الأديان الثلاثة كلها أساسها واحد وإنما يوسع شقة الخلاف بينها اتجار رؤساء الأديان بها.

ويفيض في اشتراكية الإسلام ويقارن بينها وبين اشتراكية الغرب، فيرى أن اشتراكية الغرب بعث عليها جور الحكام واعوامل الحسد في العمال من أرباب الثراء، أما الاشتراكية التي كانت في الإسلام فملتحمة مع الدين ملتصقة مع الخلق، باعث عليها حب الخير كما في أعمال عمر وأبي ذر.

ويعرض في مجلسه للحديث عن الرجل والمرأة والسفور والحجاب فيطيل القول في ذلك. وخلاصة رأيه أن المرأة في تكوينها العقلي تساوي الرجل، فليس للرجل رأس وللمرأة نصف رأس، والتفاوت الذي بينهما لم يأت إلا من التربية وإطلاق السراح للرجل وتقييد المرأة للبيت ولتربية الجيل، ومهمتها في هذا أهم وأسمى مما يقوم به الرجل من كثير من الصناعات؛ ويخطئ من يطلب مساواة الرجل بالمرأة في كل شيء، فلكل وظيفته، وعلى تعاونهما - كل في عمله - يقوم المجتمع، ولا مانع أن تعمل المرأة في الخارج إذا فقدت عائلها واضطرتها ظروفها إلى ذلك، ولكن بنية صالحة وذيل طاهر. ثم قال: «وعندي أن لا مانع من السفور، إذا لم يتخذ مطية للفجور».

ويقول: «إن الدين لا يصح أن يخالف الحقائق العلمية، فإن كان ظاهره المخالفة وجب تأويله. وقد عم الجهل وتفشى الجمود في كثير من المتردين برداء العلماء حتى اتهم القرآن بأنه يخالف الحقائق العلمية الثابتة - والقرآن بريء مما يقولون - والقرآن يجب أن يجل عن مخالفة العلم الحقيقي خصوصا في الكليات».

وهو واسع الصدر ينقد «شبلى شميل» في آرائه الملحدة التي جاوز فيها مذهب دارون، ومع ذلك يقدره لصبره على البحث وجرأته في الجهر بما يعتقد ولو خالف الناس. وهكذا وهكذا مما يراه المتزمتون خروجا عن المألوف، فما أقرب ما يقذفون بكلمة الإلحاد.

سنة مألوفة في الكون، لا يأتي مصلح سابق لزمنه إلا رمي بالزندقة أو الكفر أو الجنون، ثم أوذي ممن يسعى في الخير لهم، وممن يضحي بسعادته لسعادتهم، ولا يقدر حق قدره إلا بسعد أن يهدأ الحسد بموته، وتتجلى صحة دعوته بعد زمنه. •••

لقد قصدت الآستانة سنة 1928 بعد وفاته بإحدى وثلاثين سنة، فرأيت واجبا أن أزور قبر هذا الرجل العظيم، وأستعيد عنده ذكرى عظمته وسلسلة أعماله، فسألت عنه الكثير فلم يعرفه، ورأيت رجلا أفغانيا يعمل خازنا لمكتبة الشهيد علي، فوصف مكانه لي، فذهبت مع صديقي «العبادي» عصر يوم الأحد 8 يوليه إلى «ماجقة» أو «متشكة»، فوجدت في ربوة على مدخل البوسفور مقبرة قد انتثرت فيها المدافن، ودلنا شيخ المقبرة على مدفن السيد، فعلمنا أن قبره كان قد تشعث ولم يعن به أحد، وكادت تضيع معالمه ولم يفكر فيه أحد من أهل الشرق الذين أفنى فيهم حياته، إنما ذكره مستشرق أمريكي حضر إلى الآستانة سنة 1926 ونقب عن قبره حتى وجده، فبنى عليه تركيبة جميلة من الرخام، وأحاطها بسور من حديد، وكتب على أحد وجوه التركيبة اسم السيد وتاريخ ولادته ووفاته، وفي وجه آخر كتابة تركية ترجمت لنا كما يأتي: «أنشأ هذا المزار الصديق الحميم للمسلمين في أنحاء العالم الخير الأمريكاني المستر شارلس كرين سنة 1926».

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٠٩