تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد قابله الشيخ محمد عبده، وعاتبه على نشره مثل هذا القول من غير تحر وتدقيق، فكتب سليم بك في الجرائد يصحح فيه قوله، ويقول: إني قابلت الشيخ محمد عبده، فأوضح لي بدلائل ناهضة وبراهين داحضة، أن ما تتناقله الألسن من هذا القبيل ما كان إلا من آثار الحسد، وأن السيد كان أثناء مناظراته الجدلية يشرح النحل والبدع وأقوال المعطلين شرحا وافيا، ثم يقيم الحجج على بطلانها؛ فلعل سامعا سمع منه هذا القول في مثل هذا الموقف فنسبه إليه، وقال إنه لم يسمع من السيد هذا الكلام وإنما تلقاه عن بعض المصريين والسوريين. ونقل كلاما للسيد اطلع عليه في وجوب الدين، وضرورة الاعتقاد بالألوهية، ومزايا الإسلام، وختم مقاله بقوله: «إننا سارعنا لإذاعة هذا، شأن المؤرخ العادل، وقياما بحق الأدب، وضنا بفضل هذا الرجل الخطير من أن تناله ألسنة من لا يعرفونه خطأ وافتراء والله يتولى الصادقين».

ثم رأينا ما اتهمه به «رينان» بعدما جالسه في باريس فكتب كلمته التي نشرناها من قبل، وهذا أدق موقف؛ فرينان فيلسوف واسع الذهن دقيق التعبير، لا يلقي الكلام على عواهنه، خصوصا وقد ورد في رد السيد جمال الدين عليه ما يفيد أنه سلم للمسيو رينان بأن الإسلام كان عقبة في سبيل العلم.

ولكن في رأيي أن السيد عبر تعبيرا غير دقيق في تفرقته بين طبيعة الدين الإسلامي وسيرة المسلمين، خصوصا وأنه أخذ على رينان تقصيره في أنه لم يبحث إذا كان هذا الشر نشأ عن الديانة الإسلامية نفسها، أم عن الصورة التي تصور بها الإسلام، أم عن أخلاق بعض الشعوب التي اعتنقت الإسلام؛ وقراءتنا لرده تشعرنا بأنه وقع في هذا اللبس، وأنه كان يدور حول فكرة أن للدين دائرة، وللعلم دائرة، ويجب أن يسبح كل في دائرته من غير طغيان، وأن الدين يجب ألا يعارض العلم فيما ثبتت صحته علميا - وهذه الآراء الواضحة في ذهننا الآن، والواضحة في تعبيرنا، لم ترد واضحة في رده، فكان ردا مهوشا، كما كانت محاضرة رينان نفسها كذلك.

وليس من شك في أن السيد كان حر التفكير قويا على الجدل، متشعب طرائق الحجج، فمن الممكن جدا أن يكون في مجالسه مع رينان تبحبح في بعض الأقوال التي من هذا القبيل، والتي تحدث لكثير من كبار المفكرين في بعض اللحظات، فحكم رينان عليه هذا الحكم الشامل خطأ.

ثم كان «السيد»، كما يحكي عنه الشيخ محمد عبده وبعض خاصته، متصوفا يدين بعقيدة المتصوفة، وهي مبهمة غامضة تنتهي بوحدة الوجود، والتعبير عنها قد يلتبس - إلا على الخاصة - بالإلحاد، ومن أجل هذا رمى يحيى الدين ابن العربي وأمثاله بالكفر لعدم الدقة في الوزن.

إن حياة «السيد» مملوءة بالدعوة الحارة إلى الدين، وإلى التوحيد. في كتاباته في «الرد على الدهريين» وفي العروة الوثقى، وفي مجالسه الخاصة.

يذكر بعض خاصته أنه سمع رجلا كبيرا تكلم كلمة في حق النبي فأمر «السيد» من معه من الأفغانيين بضربه فضربوه حتى خرج يزحف.

وحكى المخزومي مجلسا شهده، إذ زار رجل جمال الدين في بيته في الآستانة وجرى الحديث فقال هذا الرجل: «إني قرأت كتب الفلاسفة فثبت لي أن الله غير موجود ولا يعتقد به إلا حيوان». فضاق صدر السيد ولم يجبه، ودعا الحاضرين إلى حديقة البيت وكان فيها أنواع من الطيور والدجاج، فتصايحت الديكة وغردت الطيور، فقال السيد: «كيف لا يفضل أضعف حيوان أعجم يذكر الله إنسانا ناطقا ينكر وجود الله»؟! كيف يجرؤ على إنكار واجب الوجود من يأكله الدود؟! إذا لم يتعظا لإنسان بما فوقه من أجرام فليتعظ بما تحته من رفات الأجسام! فخرج الرجل الملحد خجلا من غير أن يودع.

لا يمكن أن تصدر هذه الكتابات وهذه الأقوال وهذه الغيرة من ملحد، إلا أن يكون قد بلغ الغاية في التصنع والنفاق. ولم يكن عيب جمال الدين نفاقه، إنما كان عيبه إفراطه في صراحته، وعدم استطاعته كتمان ما يعتقد، ويقول: «لا يكون الكمال النسبي في البشر إلا متى كثر إعلانهم وقل كتمانهم». وأكثر متاعبه في الحياة كان سببه جهره بما يصح أن يكتم وإعلانه ما يجب أن يسر، فأخلاق مثل هذه تؤكد أنه لو كان السيد ملحدا يرى الحق والخير في الإلحاد لدعا إليه في صراحة وجرأة وشجاعة من غير ما مواربة ولا إيماء.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٠٨