أما الذين رفعوا العلم الآخر - علم مناهضة الحكم الأجنبي - فهم عبد الله نديم، ثم مصطفى كامل وفريد، ثم سعد زغلول، فساروا على مثل دعوة السيد جمال الدين، مستخدمين ما استجد من أساليب، وما استعمله الغرب من وسائل.
هذا في مصر ومثله في سائر أقطار الشرق، من زعماء حملوا لواء الإصلاح الثقافي، وزعماء حملوا اللواء السياسي مما يطول ذكره؛ وقد نعرض - فيما نكتب بعد - لبعضه. ولو انتبه «السيد» اليوم من رقدته لحمد من الشرق سيرته، وإن كان أكبر الظن أنه يحتد عليه لبطئه؛ فقد كان - رحمه الله - حارا حاد المزاج لا يرضيه من الإصلاح السير على الأقدام ولا ركوب القطارات، بل لا يرضيه بعض الرضا إلا ركوب الطائرات وحرب الدبابات. يقول الشيخ محمد عبده في وصفه: «إن طموح إلى مقصده السياسي، إذا لاحت له بارقة منه تعجل السير للوصول إليه؛ وكثيرا ما كان التعجل علة الحرمان ... وهو شجاع مقدام لا يهاب الموت كأنه لا يعرفه، إلا أنه حديد المزاج؛ وكثيرا ما هدمت الحدة ما رفعته الفطنة».
ثم كان أشبه الناس في سياسته بعلي لا بمعاوية، كانت سياسة معاوية عنوانها: «إنا لا نصل إلى الحق إلا بالخوض في كثير من الباطل». أما «علي» فلا يريد الخوض في الباطل ليصل إلى الحق، بلا لا يريد إلا الحق من طريق الحق، وإفا فلا كان. وهكذا كان جمال الدين. قال الشيخ محمد عبده: «ماذا كان يضر السيد لو مهد لإصلاحه - وهو في الآستانة - بالسعي عند السلطان في إعطاء أبي الهدى الصيادي خمسمائة جنيه ونيشان لابنه أو لأخيه، فإذا رأى أبو الهدى أن «السيد» يخدمه فإما أن يواتيه، وإما ألا يناويه» ولكن أنى للسيد أن يطلب هذا الباطل وهو يعتقد أن أبا الهدى سافل دنيء إذا طلب له مشيئا فالشنق.
ولما كان السيد يحكي لخاصته إقناعه للسلطان بأن حادثة الخديو عباس دسيسة، وأن السلطان اقتنع بذلك، وأخبره أن هذا من دسائس أبى الهدى، قال له عبدالله نديم: ليتك عندما صرح السلطان بذلك ذكرت له دسائسه وضرره. فغضب عند ذلك جمال الدين، وقال: «أعوذ بالله أن أكون من المنافقين، أو أن أفعل ما أنكر على الغير، أو أن أكون همازا مشاء بنميم».
وهكذا يريد الحق غاية، ويريد الحق وسيلة، والدنيا علمتنا أن سياسة معاوية هي التي نجحت، وأن سياسة الدنيا تقوم على المصالحة وأخذ شيء بترك شيء. فمن أراد الحق كاملا وإلا لا، فلينشد ذلك في المثل الأعلى للخلق لا في السياسة، أو فلينتظر حتى تخضع السياسية للخلق. •••
بقيت مسألة هامة في تاريخ السيد، وهو اتهامه بالإلحاد - وقد أشرنا إليها في مقال سابق. ولرمي السيد بالإلحاد تاريخ طويل، فقد رمي به في الآستانة عند زيارته لها أول مرة، فقد خطب في دار الفنون خطبة ذكر فيها أن المعيشة الإنسانية أشبه شيء ببدن الحي، وأن كل صناعة بمنزلة العضو، فالملك كالمخ، والحدادة كالعضد، والزراعة كالكبد ... الخ، ولا حياة للجسم إلا بالروح، وروح المعيشة الإنسانية النبوة والحكمة.
فاتهموه بالإلحاد لهذا، وشنعوا عليه بأنه يقول إن النبوة صناعة، وشغبوا عليه حتى نصح بالخروج من الآستانة.
فلما جاء إلى مصر اتهمه بعض العلماء كالشيخ عليش وبعض العامة بالإلحاد، والإلحاد في نظر هؤلاء ومثالهم شيء هين، يكفي ألا يسير سيرتهم، ولا يلبس لباسهم، وأن يدخن السيجار، ويجلس في المقهى، ويلتف حوله بعض اليهود والنصارى، ليحكموا عليه بالإلحاد. وكما أن عقيدة كل إنسان لها لون خاص، فكذلك تصوره للإلحاد يتكيف بذهنه.
ثم لما ترجم سليم بك عنحوري للسيد جمال الدين في كتابه «سحر هاروت» رمي السيد أيضا بالإلحاد فقال: «إنه برز في علم الأديان حتى أفضى به إلى الإلحاد والقول بقدم العالم، زاعما أن الجراثيم الحية المنتشرة في الفضاء ترقى وتتحور إلى ما نراه من أجرام، وأن القول بوجود محرك أول حكيم وهم نشأ عن ترقي الإنسان في تعظيم المعبود على حسب ترقيه في المعقولات ... الخ».