ويقول السيد جمال الدين عن نفسه: «لقد جمعت ما تفرق من الفكر، ولممت شعث التصور، ونظرت إلى الشرق وأهله، فاستوقفتني الأفغان وهي أول أرض مس جسمي ترابها، ثم الهند وفيها تثقف عقلي، فإيران بحكم الجوار والروابط، فجزيرة العرب: من حجاز هو مهبط الوحي، ومن يمن وتبابعتها، ونجد، والعراق، وبغداد وهارونها ومأمونها، والشام ودهاة الأمويين فيها، والأندلس وحمرائها؛ وهكذا كل صقع ودولة من دول الإسلام وما آل إليه أمرهم، فالشرق الشرق؛ فخصصت جهاز دماغي لتشخيص دائه، وتحري دوائه، فوجدت أقتل أدوائه داء انقسام أهله وتشتت آرائهم، واختلافهم على الاتحاد واتحادهم على الاختلاف (فعملت على توحيد كلمتهم وتنبيههم للخطر الغربي المحدق بهم).
ويقول الشيخ محمد عبده: «أما مقصده السياسي الذي قد وجه إليه كل أفكاره وأخذ على نفسه السعي إليه مدة حياته - وكل ما أصابه من البلاء أصابه في سبيله - فهو إنهاض دولة إسلامية من ضعفها، وتنبيهها للقيام على شؤونها حتى تلحق الأمة بالأمم العزيزة، والدولة بالدول القوية، فيعود للإسلام شأنه، وللدين الحنيفي مجده، ويدخل في هذا تقليص ظل بريطانيا في الأقطار الشرقية».
فيكادون كلهم يجمعون على أن له غرضين واضحين: (1)
بث الروح في الشرق حتى ينهض بثقافته وعلمه وتربيته وصفاء دينه، وتنقية عقيدته من الخرافات، وأخلاقه مما تراكم عليها، واستعادة عزته ومكانته. (2)
مناهضته الاحتلال الأجنبي حتى تعود الأقطار الشرقية إلى استقلالها مرتبطة بروابط على نحو ما؛ لتتقي الأخطار المحدقة بها.
كان في حياته يحمل في يديه العلمين معا، فلما مات تفرق العلمان وتداول المصلحون بعد على حمل واحد منهما - هذا أو ذاك - لا على حملهما معا. فالشيخ محمد عبده - مثلا - أكبر تلاميذه وأقدرهم - خلفه في حمل العلم الشافي لا السياسي. لقد تبين بعد أن اشتغاله بالسياسة في العروة الوثقى ونحوها إنما كان مدفوعا إليه بقلب جمال الدين لا بقلبه هو، ولذلك اقترح عليه بدل إنشاء الجريدة إنشاء مدرسة للزعماء كما تقدم. فلما استقل بنفسه كان عمله في بيروت عملا تعليميا صرفا؛ ولما عاد إلى مصر كان برنامجه التعليم والتثقيف بأوسع ما يستطيع وأنمه؛ ولذلك اقترح على أولي الأمر بعد عودته أن يعين ناظرا لدار العلوم أو أستاذا فيها، فخشوا من اتصاله بالتلاميذ لتاريخه الماضي، وعينوه قاضيا أهليا ليكونوا بمأمن من جانبه، بل رأيناه يلعن في كتاباته السياسة وحروفها ومشتقاتها كراهية لها، بل رأيناه يصرح بأن الواجب الأول على المصلح تثقيف الشعب وتهذيبه، ثم الاستقلال يكون الخاتمة؛ بل رأيناه يضع خطة إصلاحه بأن يتعاون مع الإنجليز ويصادقهم، ويتفاهم معهم لينال منهم - بأقصى ما يستطيع - إعانته فيما ينشد من إصلاح داخلي تثقيفي. وهذا سبب ما كان بينه وبين «مصطفى كامل» والحزب الوطني من خصومة؛ بل ربما كان هذا سببا أيضا فيما نلاحظه من بعض الفتور في العلاقة بينه وبين أستاذه السيد جمال الدين، فقد كتب من مصر للسيد - وهو في الآستانة - خطابا غفلا من الإمضاء وتلميحا لبعض الأشخاص من غير ذكر أسمائهم؛ فهاج السيد وكتب إلى الشيخ محمد عبده جوابا من نار على هذا التصرف، يؤنبه فيه على الجبن والخوف، ويقول: «تكتب ولا تمضي وتعقد الألغاز؟ ... أمامك الموت ولا ينجيك الخوف ... فكن فيلسوفا يرى العالم ألعوبة ولا تكن صبيا هلوعا»؛ ولعل هذا آخر ما كان بينهما من تواصل.
وما كان بالشيخ محمد عبده من جبن، ولكن الجسم الملتهب يشعر بالجسم المعتدل باردا، وقد كتب السيد جوابه هذا وقد ملكته الحدة، وكم ملكته.
على كل حال اختط الشيخ محمد عبده لنفسه خطة اقتنع بها كل الاقتناع، وهي رفع أحد العلمين دون الثاني، فأخلص لمبدئه وبذل في ذلك جهده وصحته وعقله وماله، واتجه إلى كل نواحي الثقافة يغذيها وينميها ويصلحها بقدر ما يستطيع إنسان أن يعمل، مع ما يوضع في سبيله من عقبات من الخديوي ومن الجامدين من رجال الدين، ومن دسائس الدساسين؛ فكانت حياته موزعة بين الإشراف على التعليم في مدارس الجمعية الخيرية الإسلامية، وإصلاح الأزهر ودرسه التفسير فيه، وتأليف جزء «عم» لناشئة المدارس، وجده في إصلاح الأوقاف والمساجد، وتحريره المقالات في مجلة المنار لتثقيف العقل وهدايته إلى فهم الدين، ورد على مهاجمي الإسلام، كما فعل في رده على هانوتو، ردا حارا قويا بأحر وأقوى من رد السيد جمال الدين على رينان، وسفره إلى تونس والجزائر يحاضر في إصلاح العقيدة الدينية وإصلاح الطرق التعليمية وهكذا. كل ذلك في حدود خطته التي رسمها والتي رآها أوفق لنفسه، وكل ميسر لما خلق له.