تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم استطرد في هذا المجلس إلى بيان الخطر مما تستعمله بعض الأمم الأجنبية في الشرق من إضعاف اللغة القومية وقتل التعليم القومي، والتنفير من آداب الأمم الشرقية لتحل محلها لغتها وآدابها، مع أنه لا جامعة لقوم لا لسان لهم، ولا لسان لقوم لا آداب لهم، ولا عز لقوم لا تاريخ لهم، ولا تاريخ لهم إذا لم يقم منهم من يحي آثار رجال تاريخها فتعمل عملهم وتنسج على منوالهم». وكانت محاضراته في مجالسة تدور حول موضوعات هامة تخلقها المناسبة، كلها ترمي إلى الإصلاح في العقيدة وفي الاجتماع وفي اللغة. وبين حين وآخر تثار حفيظة السلطان عليه بما يدبره أبو الهدى الصيادي وصحبه، فيزور الآستانة - مثلا - الخديوي عباس ويريد مقابلة جمال الدين، ولا يكون هذا إلا بإذن، فيرفض السلطان ويأمر جمال الدين ألا يقابله، فيقول لرسول الخديوي: «إني كضيف للسلطان أسير لمضيفي في منزله، ولكني أذهب كل يوم إلى «الكاغدخانة» للتنزه فإن شاء أن يحضر الخديوي إلى هناك فليفعل. فذهب الخديوي وقابله على انفراد، فأطرى الخديوي السيد وأبدى له إعجابه به وحياة تحية لطيفة، وهذا كل ما كان. فأطار الجواسيس إشاعات في الجو، وملأوا التقارير بأن جمال الدين قد تعاقد مع الخديوي عباس على تأسيس دولة «عباسية»، ووضعوا بيتين نسبوها إلى جمال الدين هما:

شاد الخلافة في بني العباس

عباس لكن نعته السفاح

ولأنت خير مملك ستشيدها

بالبشر يا عباس يا صفاح

وقامت الدنيا وقعدت، واستدعى السلطان جمال الدين وسأله، فقال إن الأمر بسيط، فقد كتبت التقارير أنا كنا وحدنا وليس معنا ثالث، فمن سمع هذا القول؟ وهل إذا كان هذا الخبر صحيحا أقوله أنا أو يقوله عباس؟ ثم أقسم أن شيئا من ذلك لم يحدث، وأنه في حياته لم ينظر شعرا، وانتهى الأمر، ولو - في الظاهر - بعد جلبة طويلة وضجة مفتعلة.

وحدث أن الشاه ناصر الدين - الذي كان بينه وبين السيد الخصومة التي عرفنا - قد قتل، وكان القاتل أحد تلاميذ جمال الدين، وممن كانوا يزورونه في الآستانة، وروي أنه عندما طعن طعنته قال: «خذها من يد جمال الدين»، وروي عن جمال الدين أنه لما بلغه ذلك قال كلمات تدل على الإعجاب بالقاتل، فذلك كله أرعب السلطان عبد الحميد وخاف منه على حياته، فضيق عليه في مقابلاته ومنع زيارته إلا بإذن، فغضب جمال الدين وعزم على الرحيل من الآستانة ووعد بإعطائه التصريح بذلك من المفوضية الإنجليزية، ولكن السلطان كان يخاف منه في الخارج أكثر مما يخافه في الداخل، وهو تحت سمعه وبصره أهون، فاسترضاه ورجاه في البقاء واستعان بإثارة إبائه العار من الالتجاء إلى دولة أجنبية فعدل. ثم حلت المشكلة نفسها بمرضه بالسرطان في فمه ثم وفاته، وشاعت الإشاعات المختلفة حول موته من إهمال مقصود في معالجته والاتفاق مع طبيب السلطان للتخلص منه.

وأيا ما كان فقد مات وشيعت جنازته كأقل الناس - لم يسر فيها إلا أفراد معدودون غلبتهم الجرأة والوفاة، ودفن كما يدفن عامة الناس، ومنعت الجرائد في الولاية العثمانية من تأبينه.

| السيد جمال الدين الأفغاني (6)

ما تعاليم السيد في كلمة؟ وما أغراضه في جملة؟

يقول لوثروب ستودارت الأمريكي

Lothrop Stoddard : «إن خلاصة تعاليم جمال الدين تنحصر في أن الغرب مناهض للشرق، والروح الصليبية لم تبرح كامنة في الصدور كما كانت في قلب بطرس الناسك، ولم يزل التعصب كامنا في عناصرها، وهي تحاول بكل الوسائل القضاء على كل حركة يحاولها المسلمون للإصلاح والنهضة.

ومن أجل هذا يجب على العالم الإسلامي أن يتحد لدفع الهجوم عليه ليستطيع الذود عن كيانه، ولا سبيل إلى ذلك إلا باكتناه أسباب تقدم الغرب والوقوف على عوامل تفوقه ومقدرته».

ويقول «جولد زيهر»: إن جمال الدين كان - كما يرى براون - فيلسوفا، كاتبا، خطيبا، صحفيا؛ وفوق ذلك كان سياسيا، يرى فيه محبوه وطنيا كبيرا، وخصومه مهيجا خطيرا؛ وكان له أثر بالغ في النزعات الشورية التي حدثت في عشرات السنين الأخيرة في الحكومات الإسلامية، وكان يرمي إلى تحرير الممالك الإسلامية من السيطرة الأوروبية، وإنقاذها من الاستغلال الأجنبي، وإلى ترقية شؤونها الداخلية بالإدارات الحرة المنظمة؛ كما كان يرمي إلى جامعة تنتظم الحكومات الإسلامية، ومنها إيران الشيعية، لتتمكن بهذا الاتحاد من منع التدخل الأوروبي في شؤونها».

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٠٥