تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كانت المدة الأولى من إقامته في الآستانة محفوفة بعطف السلطان عليه ولو ظاهرا - يزوره السيد ويشير عليه بالإصلاح، قال له مرة: «خذ بحزم جدك السلطان «محمود» وأقص الخائنين من خاصتك الذين يكتمون عنك حقائق ما يجري في الولايات، وخفف الحجاب عنك، واظهر للملأ ظهورا يقطع من الخائنين الظهور، وأعتقد أن نعم الحارس الأجل

فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون .

ولكن ذهب كل ذلك مع الريح، ووجد له في الآستانة خصم لدود، هو أبو الهدى الصيادي الذي أتقن من الحيل والدهاء والدسائس والمؤمرات والغلبة على عقل السلطان ما لا ينفع معه إخلاص جمال الدين وصراحته ونصحه، ففسدت حياة السيد، وفسد ما بينه وبين السلطان، وضاع كل أمل له في التعاون معه على الإصلاح، وأصبح يقول في مجالس خاصته: «إن هذا السلطان سل في رئة الدولة». واقتصرت قيمة السيد مدة إقامته في الآستانة - وهي أربع سنين وأشهر - على ما كان يلقيه على زواره وسماره من أحاديث وآراء، إلى دسيسة بين حين وآخر تحاك حوله، ويصرف الزمن في نقضها.

وكل تراثنا منه في هذه الفترة بعض من أحاديثه اللطيفة وآرائه الطريفة

1

وتحريكه عقول سامعيه إلى التفكير الحر في الإصلاح وفي الشؤون الاجتماعية.

في هذه الفترة كانت تظهر من أحاديثه آثار الأسف والحزن، إذ يستعرض ماضيه فيرى ما كان منه من جهاد طويل في تحريك الشعوب الإسلامية ثم لم ينبض لها عرق، وفي رجال عقد عليهم الأمل ثم غدروا، وفي شاد خان، وفي جريدة عطلت، وفي سلطان لا أمل فيه، وفي بيئة خانقة. ماذا في يده بعد حياة طويلة قضاها في الكفاح وفي النفي، وفي الحبس، وفي الطرد، وفي التفكير والتحرير، وفي إيقاظ العقول النائمة والنفوس الخائرة؟ لا شيء إلا أنه أسد في حديقة الحيوانات، ينشد حرية نفسه فلا يجدها، بعد أن كان ينشد حرية الأمم الإسلامية كلها ويأمل أن يجدها.

يزوره شكيب أرسلان، ويدور الحديث حول ما روي من أن العرب عبروا المحيط الأطلانطيقي قديما، وكشفوا أمريكا، فيقول السيد: «إن المسلمين أصبحوا كما قال لهم الإنسان كونوا بني آدم أجابوه إن آباءنا كانوا كذا وكذا، وعاشوا في خيال ما فعل آباؤهم، غير مفكرين بأن ما كان عليه آباؤهم من الرفعة لا ينفي ما هم عليه من الخمول والضعة. إن الشرقيين كلما أرادوا الاعتذار عما هم فيه من الخمول الحاضر قالوا: أفلا ترون كيف كان آباؤنا؟ نعم! قد كان آباؤكم رجالا، ولكنكم أنتم أولاء كما أنتم، فلا يليق بكم أن تتذكروا مفاخر آبائكم إلا أن تفعلوا فعلهم»، «إن المسلمين قد سقطت هممهم، ونامت عزائمهم، وماتت خواطرهم، وقام شيء واحد فيهم هي شهواتهم»؛ «هذا محمود سامي البارودي عاهدني ثم نكث معي وهو أفضل من عرفت من المسلمين».

ولكن أحيانا تنقشع عنه سحابة اليأس، ويعود إلى أمله في الشرق والمسلمين، ويعود إلى ذكر الداء والدواء، والأمل في العلاج، ككل النفوس البشرية، تتردد بين الحزن والسرور، واليأس والأمل، وكالطبيعة تتردد بين الصحو والغيم، والإرعاد والإبراق ثم الإشراق.

فها هو في رفقه من صحبه يحللون أدواء الشرق ويستوصفونه العلاج، فيقول إن الدواء هو ما يسير عليه الغربيون من العزة والجري على قول الشاعر العربي: «عش عزيزا أو مت وأنت كريم»، فإذا كان هذا بعيد المنال، فلا بد من تربية جيل جديد تربية دينية صحيحة، يتولى أمرها أناس يأخذون على أنفسهم عهدا ألا يقرعوا بابا لسلطان، ولا يضعضعهم الحدثان، ولا يثني عزمهم الوعيد، ولا يغرهم الوعد بالمنصب، ولا تلهيهم التجارة ولا المكسب، بل يرون في المتاعب وتحمل المكاره لنجاة الوطن من الاستعباد غاية المغنم وفي عكسه المغرم.

قيل له: وهل هذا في الإمكان؟

قال: «إن الأزمة تلد الهمة، ولا يتسع الأمر إلا إذا ضاق، ولا يظهر فضل الفجر إلا بعد الظلام الحالك - وعلى ما أرى قد أوشك فجر الشرق أن ينبثق، فقد ادلهمت فيه ظلمات الخطوب وليس بعد هذا الضيق إلا الفرج، سنة الله في خلقه».

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٠٤