تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذه زلة كبيرة من السيد جمال الدين دعاة إليها حدته وحبه للانتقام؛ إذ كيف أجاز لنفسه التشهير بحكومة شرقية إسلامية في بلاد أجنبية تتخذ من أقواله حجة للتدخل الذي طالما حاربه في «العروة الوثقى»، وكيف استباح أن يفضح هذه العيوب، ويغسل هذه الأثواب القذرة على مشهد من كل الناس.

لقد كان مدحت باشا في موقف كهذا أنبل من السيد وأكرم، إذ نفاه «عبد الحميد»، وأخذه رجاله من دست الوزارة إلى السفينة، لا مال ولا ثياب ولا أهل. ومع هذا فما وضع رجله في أوروبا حتى أخذ يسعى في دفع الشر عن أمته، ويتكلم الكلام الكثير في فضل الأتراك على أوروبا، ولا ينطق بكلمة في ذم عبد الحميد الذي عامله معاملة الشاه لجمال الدين. الحق أنها غلطة من غلطات «السيد» دعا إليها حدة مزاجه.

لقد رجاه سفير فارس أن يكف عن الطعن في الشاه وعرض عليه المال الكثير، فقال: لا، حتى يلقى الشاه منيته.

تجمع عند السلطان عبد الحميد من الأسباب ما حمله على أن يدعو «السيد» إلى الآستانة، فهو يخشى أن ينضم إلى حزب تركيا الفتاة، فيكون قوة كبرى إلى قوتهم، خصوصا وقد كان السيد اجتمع في باريس ببعض رجال هذه الجمعية، وأطلعوه على خطتهم في إصلاح الدولة العثمانية فراقه مذهبهم، وشجعهم على عملهم، وسمي جمعيتهم «الجمعية الصالحة» وبلغ السلطان ذلك عنه. ثم إن الشاه وسط السلطان في كف أذى جمال الدين عنه، لهذا وذاك رجاه السلطان عبد الحميد أن يزور الآستانة فأبى، ثم سلط عليه حيله ومكايده، ووعده ومناه، وأطعمه وأمله حتى قبل، وما إن وضع رجله في الآستانة حتى كان في قفص من ذهب أحكم بابه، لقد وعده السلطان أن له حرية الخروج من الآستانة إذا شاء، ولكن كان كل ذلك خدعة.

أمر السلطان عبد الحميد باستقباله استقبالا حسنا، وأجرى عليه 75 ليرة شهريا، وأنزله بيتا ظريفا في نيشان طاش، بالقرب من يلدز، وجعل تحت أمره عربة وخدما وحشما، بعضهم للخدمة والتجسس، وأحاطه بكل أنواع الرعاية المادية.

لقد خيل إليه أنه بمعونة السلطان يستطيع أن يوسع دائرة إصلاحه؛ فيضع خطته لجامعة إسلامية، يؤلف بها بين فارس والأفغان وتركيا وولاياتها بنوع من الاتحاد أو الحلف، ثم يرسم منهج إصلاح الإدارة في الدولة العثمانية وإصلاح التعليم، وفاته أن جو الآستانة في عهد عبد الحميد لا يصلح أن تنمو فيه بذرة صالحة، وكان له في مدحت وأشباهه العظة البالغة. ولقد زار الآستانة الشيخ محمد عبده بعد وفاة السيد وفي عهد عبد الحميد، فقال فيها: «إنه لم ير بيئة في العالم - ولم يكن يعقل وجود بيئة - كالآستانة في سوء تأثيرها في العقل والفكر والقلب، وإن ذهنه فيها كان ممسوحا كأنه لم يكن فيه شيء من العلوم والآراء، ولهذا كان أحرار الترك معذورين في شرودهم منها، وتوطين أنفسهم على كل ما يمكن أن يلقاه الإنسان من ضروب البلاء والمحن».

قابله السلطان في يلدز، فرأى منه شخصية غريبة جريئة في القول والحركة جرأة لم يشهدها من أحد قبل. يطلب منه السلطان أن يترك مهاجمة الشاه فيقول «السيد»: إني لأجلك قد عفوت عنه، فيرتاع السلطان لمثل هذا القول - والسيد في حضرته يلعب بحبات السبحة، فإذا لفت نظره رئيس المابين إلى ذلك بعد خروجه قال له: «إن السلطان يلعب بمستقبل الملايين من الأمة، أفلا يحق لجمال الدين أن يلعب بسبحته كما يشاء»؟! فيفزع رئيس المابين ويهرب من سماعه هذه الكلمة خشية أن يكون قد سمعها أحد.

لقد تحدث إلى السلطان كذلك في الحكم الشورى للدولة العثمانية، فخدعه السلطان بتظاهره بحسن الاستعداد له، وفرح السيد بهذا التظاهر، واتفق معه على العمل لتكوين الجامعة الإسلامية، وعرض عليه السلطان منصب شيخ الإسلام فأبى إلا إذا عدل النظام من أساسه أولا. وكرر مقابلته للسلطان والحديث إليه، وكون أخيرا فكرة عن السلطان عبد الحميد بأنه ذكي واسع الاطلاع على السياسة الأوربية وألاعيبها، واسع الحيلة في العمل على ضرب بعض الدول ببعض، ولكنه جبان يفسد عليه جبنه ذكاءه ومعرفته.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٠٣