تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم سافر إلى أوروبا على نية أن يزور معرض باريس سنة 1889، وفي أثناء سفره من روسيا إلى باريس نزل بمونيخ في ألمانيا، وتقابل مع شاه الفرس ناصر الدين، فعرض عليه العودة معه إلى فارس، واعتذر إليه عما كان، ووعده أن يمهد له طريق الإصلاح الذي يقترحه، فرفض السيد أولا وقبل أخيرا.

ها هو السيد في طهران، يلتف حوله جمهور من العلماء والعظماء، ويتبلور فيه ما في نفوس الخيرين من ميل إلى الإصلاح، فيسعى هو ومن التف حوله إلى وضع المشروعات في إصلاح الإدارة، وإقامة العدل، وتقنين القوانين؛ وفوق ذلك تنظيم الحكم النيابي للبلاد. والحركة تشتد وتمتد، والشاه يظهر الاستعداد لقبول هذه المطالب، والنفوس العاملة تفرح لقرب النصر، والأمل في الخير، ولكن سرعان ما اكفهر الجو وأنذر بالصواعق؛ فقد وسوس الصدر الأعظم للشاه أن الحكم النيابي يسلبه سلطانه، والنظام الإداري والقانوني المقترح أعلى من مستوى الناس، ونحو ذلك من مقالات السوء التي سمعنا مثلها في مصر أيام إقامة «السيد» فيها، وفي تركيا أيام مدحت، وفي كل مكان وزمان يدور فيهما النزاع بين دعاة الإصلاح ودعاة الرجعية.

فتجهم الشاه له وأحس «السيد» الخطر منه، فخرج إلى مقام «عبد العظيم» أحد أحفاد الأئمة - على بعد نحو عشرين كيلو من طهران - والفرس يعدون مقامه حرما من دخله كان آمنا. اتخذه السيد مركزا لدعايته وخطبه وتهييج الرأي العام لطلب الإصلاح، وبعض العلماء والوزراء والضباط يحجون إليه ليسمعوا خطبه، ويصغوا إلى آرائه، ويعودون وقد شحنوا قوة كهربائية بقدر تحملهم للشحنة، وكلهم ثائر هائج يريد الإصلاح. وأقام على ذلك أشهرا والبلاد يزداد غليانها، ومركز الشاه والحاشية يزداد خطرا، والمنشورات تذاع، والكتب الغفل من الإمضاء تصل إلى الشاه بالعدل أو العزل، وبالحكم النيابي أو تولية غيره.

فما راع «السيد» إلا خمسمائة جندي مسلحون يهجمون عليه غير حافلين بحرم الشيخ عبد العظيم ولا بمرض السيد مرضا شديدا. وكما يصف هو : «سحبوني على الثلج إلى دار الحكومة بهوان وصغار وفضيحة لا يمكن أن يتصور دونها في الشناعة ... ثم حملني زبانية الشاه - وأنا مريض - على برذون، مسلسلا، في فصل الشتاء وتراكم الثلوج والرياح الزمهر يرية؛ وساقتني جحفلة من الفرسان إلى خانقين»، (ومنها سافر إلى البصرة) يعاني ألم المرض الذي اشتد عليه من هذا الحادث وكاد يودي به لولا لطف الله.

فلو رأيته نم لرأيت رجلا أكلت منه حمى الحمية حمى المرض، وقد تجمع دمه في رأسه يحتقن، وفي وجهه يلتهب، وفي عينه تقذف بالشرر، كيف يهان هذا الهوان وهو الرفيع النسب، العزيز الحسب؛ العظيم الجاه، العالي المنزلة في دينه وشرفه وعقله، ورغبته في الخير، كيف يرجوه الشاه أن يأتي بلده ويعده أن ينفذ إصلاحه، ويعلي كلمته، ثم يعامله معاملة العبد يطرد، والذليل يصفع. والحقير يهان.

لقد آلى أن ينتقم منه شر انتقام، وألا تهدأ نفسه حتى ينزله عن عرشه، وقد بر فيما أقسم. فأخذ يكتب إلى علماء الدين المسموعي الكلمة يهيجهم على الشاه، ولا يتورع أن يصفه بأقبح الصفات، ويبين ضرره على الأمة، ويثير عاطفتهم الدينية، ليشغبوا عليه حتى يخلع. وكان الشاه قد تعاقد مع شركة إنجليزية على احتكارها «التنباك» فانتهز الفرصة وأبان الضرر على الأمة من هذا الاحتكار، وأهاب برجال الدين أن يذودوا عن وطنهم، فاستمعوا إليه، وهاجوا على الشاه، وهيجوا عليه، حتى اضطر إلى فسخ العقد، ودفع نصف مليون ليرة تعويضا للشركة، فكانت هذه أول خطوات الانتقام.

ثم لما عادت إليه عافيته سافر إلى لوندرة، وحاضر نبلاء الإنجليز وكبراءهم في مصائب الشاه على فارس، وساهم في إخراج مجلة شهرية اسمها «ضياء الخانقين» تصدر بالعربية والإنجليزية، كان يكتب فيها مقالات بإمضاء «السيد الحسيني» يفضح فيها حكومة الشاه، وسوء الإدة، وانتشار الرشوة، وتعذيب الأهالي، ويحرض فيها العلماء على عمل صغير، وهو أن يصدروا فتوى بعدم التعاون مع الشاه، فإذا هو طريد، ويختار من الألفاظ والجمل في مدح العلماء وقوتهم أضخمها وأقواها، وفي ذم الحكومة والشاه أهجاها وأقساها.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٠٢