ورد الشيخ محمد عبده بما خلاصته أن في المصريين من يحبون أوطانهم حب الشعب الإنجليزي لبلاده، وأرض مصر من زمن محمد علي انتشرت فيها العلوم والمعارف، وأخذ كل منها نصيبا على قدره، ولا تخلو قرية مصرية من قارئين وكاتبين يقرءون الجرائد العربية ويوصلون ما فيها إلى من لم يقرأ، والنفرة من ولاية الأجنبي من طبيعة البشر، فضلا عما لتعاليم الإسلام في هذا الشأن
3 .
وقد أخذت الجريدة هذا الحديث وسيلة للتهييج وإثارة الشعور. وعلى كل حال فلم تأت هذه الأحاديث بنتيجة من التفاهم، واستمرت الجريدة في خطتها حتى حجبت كما أسلفنا.
| السيد جمال الدين الأفغاني (5)
ماتت جريدة العروة الوثقى، ولكن لم يمت أثرها، فقد أحيت روح كثير من المتنورين في العالم الشرقي، وأيقظتهم من سباتهم، وبصرتهم بسوء حالهم مع الاحتلال، وعلمتهم كيف يكتبون ويخطبون ويدعون إلى الشعور بالقومية الذي سمي بعد بالاستقلال؛ فإن قلنا إنها كانت أول شرارة في الشرق لإلهاب الشعور بالكراهية للحكم الأجنبي لم نبعد، فقد كتبت في الجامعة الإسلامية والرابطة الشرقية والمسألة المصرية والسودانية والهندية، وعالجتها كلها في حماسة وتهييج بالغين، ونظرت إلى كل ذلك في ضوء السياسة الدولية العامة، والتفتت إلى الشعوب تحركها وتثير شعورها، والحكومات المختلفة تبين لها أضرارها من احتلال الشرق؛ وهكذا وهكذا.
لم تتأثر بالدعوة وقتئذاك الشعوب ولا الحكومات الأجنبية ولا المحلية، وإنما تأثرت بها طبقة قليلة من المستنيرين في الأقطار الشرقية المختلفة تأثرا كان نواة للحركات الوطنية بعد. ولست أزعم أنها كانت النواة الوحيدة، ولكن كانت النواة الأولى.
على كل حال عطلت الجريدة وانفرط عقد التأمين بأمرها. فالشيخ محمد عبده وميرزا باقر يعودان إلى بيروت، والسيد جمال الدين إلى فارس بناء على دعوة من الشاه ناصر الدين. تلقاه الشاه والعلماء والأمراء في حفاوة، ولكن سرعان ما دبت الغيرة إلى نفس الشاه وأحس خطره فتنكر له، فاستأذن السيد في الرحيل ورحل إلى سان بطرسبرج عاصمة روسيا، وأقام نحو ثلاث سنين من سنة 1886 - سنة 1889.
لماذا اتجه إلى روسيا وماذا عمل في هذه المدة؟
إن معلوماتنا عنه في هذه الفترة قليلة، وأكبر الظن أنه شغل فيها بشيئين: (1)
حال المسلمين الروسيين وعددهم نحو ثلاثين مليونا وكانوا يعاملون في عهد القياصرة معاملة ظالمة جائرة، فلعله حاول باتصاله برجال الحكم إذ ذاك أن يلطف من ظلمهم ويخفف من جورهم. وقد عرف عنه أنه سعى عند القيصر في طبع المصحف وبعض الكتب الدينية لمسلمي الروس فأذن له في ذلك. (2)
ما كان لروسيا من أثر كبير في سياسة الشرق ومناهضتها للسياسة الإنجليزية في آسيا، وضغطها الشديد على الدولة العثمانية، والعمل على إتعابها، وتقطيع أوصالها؛ ومع هذا التنافس والمخاصمة على الشرق بين انجلترا وروسيا فإن كثيرا من السياسيين يرون أن هذه المنافسة أفادت إنجلترا وفرنسا وإيطاليا أكثر مما أفادت روسيا. فلولا ضغط الروس على الدولة العثمانية ما سهل على فرنسا الاستيلاء على الجزائر وتونس، ولا على إيطاليا الاستيلاء على طرابلس، ولا على انجلترا الاستيلاء على مصر.
على كل حال انغمس «السيد» أثناء إقامته في روسيا في السياسة الدولية وحرض روسيا على سياسة إنجلترا. ونشر في الجرائد الروسية مقالات في السياسة الأفغانية، والفارسية، والعثمانية، والروسية، ونقد السياسة الإنجليزية، وقابل القيصر فسأله عن آرائه في الشرق، ثم سأله عن سبب خلافه مع الشاه، فقال إنه الحكومة الشورية، أدعو إليها ولا يراها. قال القيصر: الحق مع الشاه؛ فكيف يرضى ملك أن يتحكم فيه فلاحو مملكته. قال السيد: أعتقد يا جلالة القيصر أنه خير للملك أن تكون ملايين رعيته أصدقاءه من أن يكونوا أعداءه يترقبون له الفرص. فلم يعجب القيصر هذا الحديث، وقام: علامة الإذن له بالانصراف.