تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رد عليه الأستاذ رينان وبادله مدحا بمدح، وإعجابا بإعجاب، وقال: «تعرفت بالشيخ جمال الدين من نحو شهرين فوقع في نفسي منه ما لم يقع لي إلا من القليلين، وأثر في تأثيرا قويا؛ وقد جرى بيننا حديث عقدت من أجله النية على أن تكون علاقة العلم بالإسلام هي موضوع محاضرتي في السربون ... والشيخ جمال الدين نفسه خير دليل يمكن أن نسوقه على تلك النظرية العظيمة التي طالما أعلناها، وهي أن قيمة الأديان بقيمة من يعتنقها من الأجناس، وقد خيل إلي من حرية فكره، ونبالة شيمه، وصراحته - وأنا أتحدث إليه - إني أرى أحد معارفي من القدماء وجها لوجه، وأني أشهد ابن سينا، أو ابن رشد، أو واحدا من أولئك الملحدين العظام الذين ظلوا خمسة قرون يعملون على تحرير الإنسانية من الإسار.

ثم قال: «ولست أرى في البحث النفيس الذي عالجه الشيخ إلا نقطة يصح أن نختلف فيها حقيقة ... فلسنا بالتأكيد ننكر ما لرومة على تاريخ الإنسانية من نفوذ، ولا ما كان للعرب من نفوذ، ولكن هذه التيارات الإنسانية العظيمة في حاجة إلى تحليل؛ إذ ليس كل ما كتب باللاتينية يزين تاج شهرة روما، ولا كل ما كتب باليونانية من عمل اليونانيين، ولا كل ما كتب بالعربية نتاج عربي، ولا كل ما نشأ في بلد مسيحي من تأثير المسيحية، ولا كل ما ظهر في البلدان الإسلامية من ثمار الإسلام ... «لقد خالني الشيخ غير منصف في أني لم أوف الكلام حقه، ولم أقل في المسيحية ما قلته في الإسلام، وأن الاضطهاد بين المسيحيين لا يقل عما كان بين المسلمين، وهذا قول الحق؛ فجالليو لم يلق من الكاثوليك خيرا مما لقيه ابن رشد من المسلمين ... وإذا كنت لم أطل القول في هذه الحقيقة فلأن آرائي في هذا الشأن معروفة لا حاجة بي إلى تكريرها على مسمع محفل علم بكل أعمالي وآرائي ... ولست أريد من المسيحي ترك عقيدته المسيحية ولا من المسلم ترك الإسلام؛ ولكن أريد من المسيحيين والمسلمين المتنورين أن يهتموا بالعلم اهتماما لا تعوقه العقيدة، وقد تم هذا في نصف البلدان المسيحية ونرجو أن يتم مثله في الإسلام. وإن يوما يتم ذلك فيه لما أرحب به أنا والشيخ ونطرب له جميعا».

واستمر في تأييد رأيه الذي قاله في المحاضرة ثم ختم مقاله بقوله: «ويلوح لي أن الشيخ جمال الدين قد زودني بطائفة من الآراء الهامة تعينني على نظريتي الأساسية وهي أن الإسلام في النصف الأول من وجوده لم يحل دون استقرار الحركة العلمية في الأراضي الإسلامية، ولكنه في النصف الثاني خنق الحركة العلمية وهي في خظيرته فكان هذا من سوء حظه»

2 .

وهذه النتيجة الأخيرة - من غير شك - فيها كثير من التعديل لآراء رينان السابقة، وهي تؤدي حتما إلى أن ذلك ليس من طبيعة الإسلام، ولو كان من طبيعته ما شجع الحركة العلمية في أوله ولا آخره.

وإلى هنا أسدل الستار عن هذه الرواية التي سيعاد تمثيلها - على وجه أشد - بين مسيوها لوتو والشيخ محمد عبده. وما أقوى الردود! ولكن أقوى منها رد المسلمين عليها بتبؤئهم مكانة عليا في العلم والفلسفة. •••

وأما الحادثة الثانية فسياسية، ذلك أن بعض ساسة الإنجليز - وقد أحسوا حملة جريدة العروة الوثقى وتهييجها الرأي العام على انجلترا - رأوا أن يتفاهموا مع القائمين عليها فبعثوا إلى السيد جمال الدين في ذلك، فأرسل مندوبه الشيخ محمد عبده وقال: «رأينا أن يذهب الشيخ محمد عبده (المحرر الأول لهذه الجريدة) إلى لندرة إجابة لدعوة من يرجى منهم الخير لملتنا، ومن يؤمل فيهم حسن النية (إشارة إلى مستر بلنت) ...

قابل محرر الجريدة كثيرا من رجال السياسة الإنجليزية وحادثهم محادثات طويلة في المسألة المصرية، ومن هذه المحادثات ما نشر إذ ذاك في الجرائد الإنجليزية، واكتفى السيد جمال الدين في العدد الرابع عشر من العروة الوثقى بذكر محادثات كانت بين الشيخ محمد عبده ووزير الحربية الإنجليزية لورد «هرتنكنن» خلاصتها أن وزير الحربية سأل الشيخ محمد عبده: ألا يرضى المصريون أن يكونوا في أمن وراحة تحت سلطة الإنجليز، وهي خير من سلطة الأتراك ومن جاء على أثرهم، خصوصا وأن الجهالة عامة في أقطار مصر، وأن كافتهم لا يفرق بين حاكم أجنبي وحاكم مصري؟!

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٠٠