تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم أخذ يبين أن ما وقع للمسلمين وقع مثله في الأديان الأخرى، «فرؤساء الكنيسة الكاثوليكية المبجلون لم يلقوا أسلحتهم بعد كما أعلم، وهم عاكفون على محاربة ما يسمونه بالتدليس والضلال (يعني العلم والفلسفة)»

1 .

قال: «وأما النقطة الثانية فالكل يعلم أن الشعب العربي خرج من حال الهمجية التي كان عليها وأخذ يسير في طريق التقدم الذهني والعلمي، ويفل السير بسرعة لا تعادلها إلا سرعة فتوحاته السياسية، وقد تمكن في خلال قرن من التكيف بالعلوم اليونانية والفارسية ... فتقدمت العلوم تقدما مدهشا بين العرب، وفي كل البلدان التي خضعت لسيادتهم، وقد كانت روما وبيزنطة المدينتين الرئيسيتين لعلوم اللاهوت والفلسفة، بل مبعث أنوار المعارف الإنسانية كلها ... ثم جاء الوقت الذي وقف فيه علماء هاتين المدينتين عن البحث، وتهدمت فيه نصبهم التي أقاموها للعلم، ودرجت كتبهم القيمة في طي النسيان، وقد كان العرب في ذلك الجهل حين شرعوا يتناولون ما تركته الأمم المتمدنة، فأحيوا تلك العلوم الندثرة ورقوها وخلعوا عليها بهجة لم تكن لها من قبل، أوليس هذا دلالة بل برهانا على حبهم الطبيعي للعلوم؟

صحيح أن العرب أخذوا عن اليونان فلسفتهم كما أخذوا عن الفرس ما اشتهروا به. بيد أن هذه العلوم التي أخذوها بحق الفتح قد رقوها ووسعوا نطاقها ووضحوها، ونسقوها تنسيقا منطقيا، وبلغوا بها مرتبة من الكمال تدل على سلامة الذوق وتنطوي على التثبت والدقة النادرين. وقد كان الفرنسيون والإنجليز والألمان لا يبعدون عن رومة وبيزنطة بعد العرب عنهما، وكان من السهل عليهم أن يستغلوا كنوز علوم تلك المدينتين، ولكنهم لم يفعلوا، حتى جاء اليوم الذي ظهر فيه منار المدنية العربية على قمة جبال البرانس يرسل ضوءه وبهاءه على الغرب، فأحسن الأوروبيون إذ ذاك استقبال أرسطو بعد أن تقمص الصورة العربية، ولم يكونوا يفكرون فيه وهو في ثوبه اليوناني على مقربة منهم أوليس هذا برهانا آخر ناصعا على مزايا العرب الذهنية وحبهم الطبيعي للعلوم؟ «وبينما يسلم مسيو رينان بأن البلدان الإسلامية في غضون خمسة قرون من سنة 775م إلى أواسط القرن الثالث عشر كانت تحتوي علماء ومفكرين عظاما، وأن العالم الإسلامي إذ ذاك كان يفوق العالم المسيحي في الثقافة الذهنية، إذ يقول إن أكثر الفلاسفة الذين شهدتهم القرون الأولى للإسلام كانوا كنابهي السياسيين من أصل حراني، أو أندلسي، أو فارسي، أو من نصارى الشام. ولست أريد أن أغمط علماء الفرس صفاتهم الباهرة، ولا أن أغض الطرف عن الدور الجليل الذي لعبوه في العالم الإسلامي، ولكن أرجو أن يسمح لي أن ألاحظ أن الحرانيين كانوا عربا، وأن العرب لما احتلوا أسبانيا لم يفقدوا جنسيتهم بل ظلوا عربا، وأن اللغة العربية كانت إلى ما قبل الإسلام بعدة قرون لغة الحرانيين وكونهم قد حافظوا على ديانتهم القديمة وهي «الصابئة» ليس معناه أنهم لم ينتموا إلى الجنسية العربية، وقد كانت أكثرية نصارى الشام عربا غسانيين اهتدوا بهدي النصرانية. أما ابن باجة، وابن رشيد، وابن طفيل فلا يمكن القول بأنهم أقل عربية من الكندي بدعوى أنهم لم يولدوا في جزيرة العرب، وخصوصا إذا اعتبرنا أن لا سبيل إلى تمييز أمة عن أخرى إلا بلغتها. «ثم ماذا يكون لو قصرنا نظرنا على الأصل الذي ينتمي إليه العظيم ولم نأبه للنفوذ الذي سيطر عليه، والتشجيع الذي لقيه من الأمة التي عاش فيها؟ لو فعلنا ذلك لقلنا إن نابليون لا ينتمي إلى فرنسا، ولما صح لألمانيا أو إنجلترا أن تدعي كلتاهما الحق في العلماء الذين استوطنوها بعد أن رحل أصولهم إليها من بلدان أخرى».

ثم تعرض لأسباب انطفاء هذه الشعلة، وختم رده بقوله: «إن العقل لا يوافق الجماهير، وتعاليمه لا يفقهها إلا نخبة من المتنورين، والعلم على ما به من جمال لا يرضي الإنسانية كل الإرضاء، وهي التي تتعطش إلى مثل أعلى، وتحب التحليق في الآفاق المظلمة السحيقة التي لا قبل للفلاسفة والعلماء برؤيتها أو ارتيادها».

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٩٩