ولا أطيل عليك، قفد تم اجتماع أغلب الأعضاء في الساعة السادسة والنصف وقد أعتذر بعضهم بزيارة صديق له عند خروجه، وآخر بتعطيل الترام له، وثالث بأنه من عادته أن ينام بعد الظهر وقد طال نومه على غير عادته، ورابع بأنه نسي الموعد لولا أنه لقي فلانا مصادفة نذكره به.
أخذوا يتناقشون في هل يختارون رئيسا للجلسة حتى يتم القانون؟ انحاز إلى هذا الرأي فريق؛ لأنه لا بد لكل جلسة من رئيس يدير المناقشة ويأخذ الأصوات؛ وعارض فريق بحجة أننا نريد أن نكون ديمقراطيين لا رئيس ولا مرءوس، وأنه حتى بعد أن يتم القانون لا حاجة لنا إلى رئيس، فكلنا سواسية في الرأي، ويكفي أن يكون للجلسة «ناموس» يدون الآراء ويأخذ الأصوات.
ولا أطيل عليك أيضا فقد وافت الساعة السابعة والجدل على أشده في هذا الموضوع الخطير! وعند تمام الساعة السابعة ونصف انتصر الفريق الأول فكان لا بد من رئيس.
ولكن عرضت مشكلة أخرى أخطر من الأولى: هل يختار الرئيس بالسن أو بالاقتراع السري؟ قال قوم بهذا، وقال قوم بذاك. وكاد يحتدم الجدل على نمط المسألة الأولى لولا أن أحد الحاضرين قال: أختار فلانا ليدير هذه الجلسة. فخجل الآخرون أن يطعنوا في هذا الاختيار، فسكتوا وكفى الله المؤمنين القتال. •••
وطلب من المقرر أن يقرأ المادة الأولى فقرأها، ونصها: «أنشئت بمدينة القاهرة جمعية تسمى جمعية إحياء الأدب العربي».
أ :
هل يقال: «أنشئت» أو «تنشأ»؟ أظن الأصح أن يقال: «تنشأ»؛ لأن الجمعية لم تتكون بعد، فكيف يعبر بالماضي فيقال: «أنشئت»؟
ب :
هذا رأي في محله؛ لأن إنشاء الجمعية مستقبل، والذي وضع للدلالة على المستقبل هو الفعل المضارع والأمر لا الفعل الماضي. فإذا قلنا: أنشئت دل على أنها تكونت في الزمن الماضي، وليس ذلك بصحيح.
ج :
الفرض في القانون أن يوضع في شكل يدل على أن الجمعية أقرته، فواضع القانون فرض أن الجمعية اجتمعت وأقرت القانون وألبسته ثوبه النهائي؛ ولذلك يوضع في صيغة الماضي.
د :
وأمثال ذلك كثيرة، فكاتب العقود يقول: «في تاريخه أدناه قد باع فلان لفلان كذا»، ثم يمضي البائع والمشتري العقد؛ وقبل الإمضاء كان البيع مستقبلا، ومع ذلك عبر عنه بالماضي.
ه :
ومع هذا فلم تذهبون بعيدا؟ والماضي يستعمل في المستقبل كما قال تعالى:
أتى أمر الله فلا تستعجلوه ، فأمر الله هو يوم القيامة وهو لم يأت بعد، وإنما عبر عنه بالماضي للإيذان بأنه أمر محقق، أو للتنبيه على قرب مجيئه؛ فهنا كذلك، لما كان تكوين الجمعية محققا إن شاء الله أو قريب الوقوع يعبر عنه بالماضي على سبيل المجاز.
و :
الأمر أبسط من هذا كله، فإذا قلنا: «أنشئت» أو «تنشأ» لا يترتب على ذلك ضرر، وهو لا يقدم الجمعية ولا يؤخرها؛ إنما ينهض بالجمعية عملها في تحقيق غرضها، فإذا حققته لا يضرها أنشئت أو تنشأ، وإذا لم تحققه لا ينفعها أنشئت أو تنشأ.
أ (محتدا) :
ولكننا نجتمع لإحياء الأدب العربي، فأقل ما يجب علينا أن تكون عبارتنا صحيحة لفظا ومعنى، نحوا وبلاغة، وإلا أعطينا مثلا سيئا لإحياء الأدب العربي.
الرئيس :
أظن أن الأمر واضح؛ فلنأخذ الآراء على «أنشئت» أو «تنشأ».
ز :
لكن بقيت مسألة: أليست «تكونت» خيرا من «أنشئت»؟ لأن الإنشاء في اللغة هو الخلق، والخلق يكون من العدم، وليس أفراد الجمعية معدومين حتى يقال فيها: أنشئت؛ إنما هي موجودة مفرقة، فهي تتجمع وتتكون لا تنشأ.
أ :
ومن قال: إن التكوين لا يكون من العدم؟ ففي كتب المتكلمين «إن التكوين إخراج المعدوم من العدم إلى الوجود»، وفي التوراة سفر اسمه سفر التكوين وفيه حكاية خلق العالم، والعالم قد خلقه الله من العدم. (أراد «ز» أن يرد عليه فقاطعه الرئيس وأخذ منه الكلمة).
الرئيس (فى شيء من الضجر) :
أرى أن نكتفي بهذه المناقشة في هذا الموضوع، ونأخذ الأصوات على ما يأتي: هل نقول: أنشئت أو تنشأ، أو تكونت أو تتكون؟