تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أ :

لا، بل نأخذ الرأي - أولا - على أن تصاغ الكلمة من مادة الإنشاء أو من مادة التكوين، وبعد ذلك نأخذ الرأي: هل نعبر بالماضي أو المضارع.

الرئيس :

وهو كذلك. (أخذت الآراء - أولا - فكانت الأغلبية في جانب مادة الإنشاء؛ ثم أخذت - ثانية - فخرجت الأغلبية في جانب أنشئت).

الرئيس :

إذا ننتقل إلى المادة الثانية.

أ :

لا، بل لا تزال هناك مسألة في المادة الأولى على جانب كبير من الأهمية.

الرئيس :

وما هي؟

أ :

التعبير «بإحياء الأدب العربي» فإن هذا التعبير لا أقبله، وأحتج عليه بكل قوتي؛ فإنه يدل على أن الأدب العربي ميت ونحن نريد إحياءه، فهل كان الأدب العربي ميتا؟ إنه حي، وكان حيا في العصور الماضية وسوف يبقى حيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ وكيف نقول: إن الأدب العربي قد مات وعلى رأسه القرآن الكريم، وقد قال الله تعالى فيه:

إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون . إن الأدب العربي حي، وكل ما نريد أن تعمله الجمعية أن تنظمه أو تنشر كتبه القديمة؛ فأما لفظ الإحياء فلا؛ وأنا أنذركم أنكم إذا أصررتم على لفظ الإحياء انسحبت من الجمعية. (هنا ساد المجلس صمت رهيب).

ج (تشجع وقال) :

في الواقع إن المسألة لا تحتاج إلى كل هذا، فلفظ الإحياء لا يدل على سبق الموت؛ ألا ترى يا أستاذ «أ» أن الغزالي سمى كتابه الكبير «إحياء علوم الدين»، فهل كانت علوم الدين قبله ميتة؟ كلا. إنما أصابها نوع من الركود والجمود، فأراد الغزالي أن يزيل عنها ركودها وجمودها، وأن يعرضها عرضا جديدا يتفق وذوق عصره؛ ولم يقل أحد: إن الغزالي صبأ أو كفر أو تزندق بتسمية كتابه هذا الاسم. وموقفنا الآن من الأدب العربي هو موقف الغزالي من علوم الدين؛ نريد أن ننهض الأدب ونعرضه في شكل حديث يتفق وأذواق الناس في هذا العصر.

د :

وأيضا فإن الإحياء ترجمة لكلمة «رينيسنس»

Renaissance ، وقد استعملها الفرنج للدلالة على حركة النهضة العقلية في أوربا وبعث المدنية من رقدتها، والمعنى الحرفي لهذه الكلمة «الولادة من جديد»، فاختار الكتاب المحدثون كلمة الإحياء للدلالة على ذلك.

الرئيس :

نأخذ الأصوات على بقاء كلمة «إحياء الأدب العربي» أو تغييرها.

أ، ه، ي (في نفس واحد) :

لا! المناقشة لم تستوف بعد.

الرئيس :

الساعة الآن التاسعة فلنؤجل المناقشة إلى الجلسة المقبلة.

الجميع :

موافقون.

قال صاحبي: ومتى تنتهي قراءة القانون؟

قلت: في المشمش ...! (طبق الأصل)

| أدبنا لا يمثلنا

في رأيي أن الأدب العربي - بحالته التي هو عليها الآن - لا يصلح أن يكون غذاء كافيا للجيل الحاضر، سواء في ذلك الأدب القديم والأدب الحديث والأدبان معا.

قد يكون الأدب الإنجليزي قديمه وحديثه صالحا للإنجليز في الوقت الحاضر، وقد يكون الأدب الفرنسي والألماني كذلك. أما الأدب العربي فليس صالحا للأمم العربية.

ذلك لأن الأدب إنما يعد صالحا للأمة إذا كان مظهرا تاما شاملا صادقا لحياتها الاجتماعية على اختلاف أشكالها، في جدها وهزلها، في صبا أفرادها وكهولتهم وشيخوختهم، في آلامهم وآمالهم، في حياتهم اليومية، في البيت والمصنع ودور اللهو والتمثيل، في حياتهم السياسية وحياتهم الاقتصادية؛ فإذا استطاع أدب الأمة أم يملأ كل هذا الفراغ عد أدبا صالحا كافيا، وإلا لم يكف وحده.

فلننظر في ضوء هذه النظرية إلى الأدب العربي، فماذا نجد؟

نجد أن الأمم العربية - من مصريين وشاميين وعراقيين وغيرهم - بين أدبين: أدب عربي قديم، وأدب عربي حديث.

فأما الأدب العربي القديم:

فلا يمثل إلا أجياله ولا يمثل جيلنا، وهو صورة للحياة الاجتماعية التي نشأ فيها، وليس صورة لحياتنا. إن الشعر الجاهلي صورة صادقة لحياة الجاهلية في لغته وعقليته، وإبله وأطلاله، وامرأته وأرضه، وليس شيء من ذلك يمثلنا. والشعر الأموي والأدب الأموي صورة من صور الحياة الأموية في نزاعها السياسى وعواطفها، وانقسامها إلى حياة بدوية وحياة حضرية وحياة بؤس بجانب حياة ترف، وعصاة يهددهم أمثال زياد بن أبيه والحجاج الثقفي، وحياة دينية يعظ فيها الحسن البصري وأمثاله، فلا خطب الأولين تمثل حياتنا، ولا مواعظ الآخرين أخذت وقائعها من أحداثنا.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦١